|
-
أسطورة التكوين / الخليقة البابلية – الآشورية:
لهذه
الأسطورة نسختان جديرتان بالأعتبار، إحداهما هي النسخة البابلية التي تُبرز دور
الإله مردوخ، والأخرى هي النسخة الآشورية التي يحل فيها الإله آشور محل إله
البابليين "مردوخ". والأسطورة تقوم على فكرة الصراع بين قوتين متضادتين (الخير
والشر) في الكون البدئي – المياه المالحة (ممثلة بأبسو) التي عرف سكان بلاد
الرافدين القدامى الضرر الذي تُلحقه بزراعتهم، وهي تمثل قوى الشر. والمياه
العذبة النقية (ممثلة بإيّا) التي عرفوا فائدتها لمزروعاتهم. وقد عُرفت
الأسطورة بمطلعها الأكدي "إينوما إيليش: حينما في الأعالي"، وهي تستهل بوصف
مرحلة العماء والفوضى اللذان سبقا زمن فرض النظام الكوني:
" عندما في الأعالي لم يكن هناك
سماء.

وفي الأسفل لم يكن هناك أرض.
لم يكن سوى آبسو أبوهم.
وممو، وتيامات التي حملت بهم
جميعاً."
في ما بعد أنجبت تيامات (تيامة) كائنين بدائيين هما
(لخمو) و (لخامو) من غرين المياه البدئية، فأنجبا بدورهما (أنشار) و(كيشار)
اللذان أنجبا في ما بعد إله السماء (آنو) مُنجب الآلهة العظام.
وتتحدث الأسطورة عن أنزعاج (آنو) من سلوك الآلهة الشباب،
الذي يقضُّ مضجع جدته تيامات ويتذمر من ضوضائهم وصخبهم. وتردُّ تيامات (أم
الأرض) بغضب على مقترح تدمير ما خلقته، غير أن آبسو، إله المياه البدئية
السفلى، ووزيره مُمّو يواصلان التآمر لتدمير مجمع الآلهة الشباب لتستريح تيامات
وترقد في هدوء، لكن إيا إله الحكمة العرف بنوايا الشر التي يضمرها آبسو، يجعله
بقوة سحرية يغط في نوم عميق ثم يذبحه ويُقيِّد وزيره مُمّو ويطرحه فوق جثة
آبسو، ويُشيّد مسكنه على قمة آبسو حيث سييقطن مع زوجته دامكينا الى أبد الدهر.
وتروي الأسطورة أن دامكينا تُنجب مردوخ في الآبسو
المقدس:
" عندما رآه (إيا) أبوه
فرح وأمتلآ قلبه بهجة وسروراً
رفع منزلته بين الآلهة وزاد قدره
عليهم
...........
...........
كلما تحركت شفتاه توهجت منها
النيران."
ويتم تصوّر مردوخ على أنه مخلوق غير عادي وتواصل
الأسطورة كيل المديح والثناء له والإشادة بشجاعته وبراعته وبيان منزلته الرفيعة
بين سائر الآلهة. ويبدو أن تعاظم نفوذ مردوخ يهدد سائر الآلهة في مجمعهم
(البانثيون)، فيشكون امره الى أمهم تيامات، ومثلما سبق لهم التآمر على الآلهة
الشباب في أيام آبسو، فقد حان الوقت للتخلص من مردوخ الذي أخذ يقض مضاجعهم
ويهدد سلطانهم، فيناشدون تيامات للدفاع عنهم بقولهم:
" تذكري زوجك آبسو
تذكري مُمّو المقهور وأندبي حالك
لم تعودي أُمّاً لنا. تهيمين على
غير هدىً
حرمتنا من عطفكِ وحنانكِ
قبضاتنا خائرة، عيوننا ثقيلة
أزيلي نير أزعاجنا حالاً، ودعونا
ننام."
وخزت ضمير تيامات ذكريات تراخيها إزاء الإله إيا الذي
قتل آبسو، فقررت مجابهة مردوخ والأنتقام، فعقدت مجلس حرب وخلقت بهائماً
وأمساخاً (مسوخاً) رهيبة لتشكل صفوف جيشها الجرار، ونصبت على رأس قواتها (كنغو)
المحارب المقدام واهبة إياه لوح الأقدار.
في السطور الأولى من اللوح الثاني للأسطورة يُصغي (إيا)
بغيض وقد صعقه ما تناهى أليه من أنباء أستعدادات تيامات والآلهة الشباب للحرب
ضد مردوخ ، فيهرع الى أبيه (أنشار) ويسرد له تفاصيل أستعدادات القوى المرعبة
لمناوئيهم، فترتعد فرائص أنشار لسماعه بقوات تيامات الرهيبة، فأختار إيفاد
(آنو) الى إله الشمس، رسولاً عنه. ويسعى آنو بتدبير (إيا) لخداع تيامات
وأقناعها بالعدول عن فكرة الحرب، غير أن تيامات التي كانت نداً له في سعة
الحيلة فجعلته يعود بخفي حنين. فقرر (إيا) في غمرة يأسه أرسال أبنه مردوخ الى
أنشار، الذي أستقر رأيه على كون مردوخ هو البطل الأوحد القادر على تحدي تيامات.
فألتأم مجلس أنشار لتداول أمر الحرب بحضور الآلهة المسنين.
وفي مطلع اللوح الثالث للأسطورة يوفد وزيره (ككّا) ليبث
النبأ، فيثمِّن مردوخ الخطة عالياً ويطالب بالحصول على قدرة الخلق قائلاً:
" إذا كان لي أن أنتقم لكم حقاً
فأقهر تيامات وأحفظ لكم حياتكم
فأنني أطلب أجتماعاً يعلن فيه
أقتداري.
........
........
فهلموا إليَّ وسلموا إليه مقاديركم
فيذهب للقاء عدوكم العنيد."
أما اللوح الرابع فيُستهل بأسهاب الآلهة في مديح مردوخ
والثناء عليه، فهو بطل الذي يجمع الاسلحة الرهيبة، الرياح الاربع والشبكة
الهائلة التي سيصطاد بها تيامات ويوثقها والقوس والنشاب والصولجان العظيم.
" فلما رأى آباؤه قوة كلمته
(الخالقة)

أبتهجوا وأعطوه ولاءهم : مردوخ
ملكاً
منحوه الصولجان والعرش والرداء
الملكي
وأعطوه سلاحاً ماضياً يقضي على
الأعداء، قائلين:
أمض وأسلب تيامات الحياة.
ولتحمل الريح دماءها للأماكن
القصية".
وهكذا يتقابل الخصمان وجهاً لوجه لتبدأ المواجهة بين
قوى الخير والشر في الكون، فتُثبت تيامات أنها ليست صنواً لمردوخ حين يُطلق
دوامة الريح لتلج فمها الفاغر، وحال أبتلاعها للريح العاصفة تنتفخ بطنها، فيسدد
مردوخ سهمه ليخترق جسدها ويشطره نصفين مخترقاً فؤادها ويطرحها جثة هامدة ثم
يعتلى مردوخ جثتها منتصراً.
ويُسهِب اللوح الخامس في ذكر تفاصيل خلق مردوخ/ آشور
لعالم يسوده النظام من بقايا جثة تيامات. فيضع الأبراج في السماء ويرتب تقويم
السنة ويخلق السحب والرياح والأمطار ويجعل الأنهار العظيمة تتدفق من عينيها
والجبال الشامخة تعلو من صدرها، ثم يخلق من نصفها السماء ومن نصفها الآخر يصنع
الأرض. ويُعيد لوح الأقدار الى (آنو). وأخيراً يرتدي رموز وشارات القوة والعزة
ويطمئن الى أن سائر الآلهة (الأجيجي) يذعنون لسلطانه كما ينبغي. ويتبع ذلك خطبة
مردوخ التي يُعلن فيها عن نواياه وغاياته لمسقبل العالم المتمدن ومركزه بابل،
فتُعلن له الآلهة الطاعة والولاء.
" خلق محطات لكبار الآلهة
أوجد لكل منهم نظيره من النجوم
حدَّد السنة وقسَّم المناخات
وأوجد لكل من الأشهر الإثني عشر
ثلاثة أبراج
وبعد أن حدد بالأبراج أيام السنة
خلق كوكب المشتري ليضع الحدود".
أما اللوح السادس فيروي قصة محاكمة (كينغو) قائد قوات
تيامات، الذي يُحكم عليه بالموت ومن دمه يُخلَق الجنس البشري ليقوم بخدمة
الآلهة. ثم يتم تحديد واجبات الآلهة والشروع ببناء بابل.
" أنه كينغو، الذي أثار النزاع
وحث تيامات على الثورة، وأعدَّ
القتال
ثم قيدوه وطرحوه أمام أيا
أنزلوا به العقاب فقطعوا شرايينه
ومن دمائه تم خلق البشر".
وتختتم الأسطورة في اللوح السابع والأخير، الذي يشكل
هبوطاً مفاجئاً في مستوى الأسطورة، حيث يتناول بالأطناب ما يُعرف "بألقاب مردوخ
الخمسين" في قائمة طويلة مملة تنتهي بلقب إله الحكمة (إيا) الذي يقرر بنفسه
أطلاق إسمه على مردوخ ليكون آخر ألقابه.
"وكل الأسماء التي دعاه بها
الأجيجي
سمعها أيا وأبتهجت بها نفسه
ثم قال: هو الذي عظّم أسماءه
آباؤه
سيكون نظيراً لي ويكون إسمه أيا".
********************************
-
ملحمة جلجامش:
يرقى عهد النسخة الاكادية القياسية التي تم العثور
عليها في خزانة كتب العاهل الآشوري آشور بانيبال (668 – 626 ق.م) في نينوى الى
القرن السابع قبل الميلاد، وهي تتألف من أثني عشر لوحاً تعود في الأصل الى
النسخة التي وضعها الكاهن (سن – ليقي – أونّيني) الذي عاش في أواسط الألفية
الثانية قبل الميلاد. وقد تم أستنساخ هذا العمل الأدبي الرائع مراراً خلال
القرون العديدة اللاحقة لتروي الملحمة بألواحها الأحد عشر.
أما اللوح الثاني عشر والأخير فقد تم ألحاقه بنص الملحمة
على الأرجح في القرن الثامن أو السابع قبل الميلاد ولا صلة له بحوادث الملحمة.
وقد حظت ملحمة جلجامش بشعبية واسعة عبر العصور بحيث غدا أستنساخ فقرات من
نصوصها الفرض المفضل لتلاميذ المدارس في بلاد ما بين النهرين.
وتعدّ ملحمة جلجامش عملاً أدبياً رائعاً تم تدوينه
بحذاقة منقطعة النظير لتكون قصة تتمحور حول المآثر البطولية لجلجامش من خلال
سعيه لنيل الشهرة والجاه وحيازة سرّ الخلود.
اللوح الأول: تُستهل
الرواية على لسان رحال يصف أسوار مدينة أوروك (الوركاء) وملكها جلجامش، بقوله:
" هو الذي رأى كل شئ فغني بذكره يا
بلادي
وهو الذي خبر جميع الأشياء وأفاد
من عبرها
وهو الحكيم العارف بكل شئ
لقد أبصر الأسرار وعرف الخفايا
المكتومة
وجاء بأنباء الأيام مما قبل
الطوفان
لقد أوغل في الأسفار البعيدة حتى
حل به الضنى والتعب
فنقش في نصب من الحجر كل ما عاناه
وما خبره
بنى أسوار "أوروك"، وحرم "إي –
أنا"، المقدس، والمستودع الطاهر
فأنظر الى سوره الخارجي تجد شرفاته
تتألق كالنحاس....".
ويتم وصف جلجامش كرجل خارق محبوب الإله "شمش" ومحارب لا
يُقاوم سلاحه ثلثاه إله وثلثه بشر:
"ثلثان منه إله، وثلثه بشر
وهيئة جسمه لا نظير لها
وفتك سلاحه لا يصده شئ"
كما تتحدث الملحمة عنه كطاغية وزير نساء:
" لم يترك جلجامش أبناً لأبيه
ولم تنقطع مظالمه عن الناس ليل
نهار"
....
....
" لم يترك جلجامش عذراء لحبيبها،
ولا أبنة المقاتل ولا خطيبة البطل."
فيتذمر أهل أوروك ويرفعون شكواهم الى الآلهة، التي
تستجيب لدعواتهم وتحث إله أوروك "آنو" ليضع حداً لمظالم جلجامش، فتتم دعوة
الإلهة الأم "أرورو" لتقوم بخلق نداً له، فصنعت من قبضة طين أنكيدو الرجل
المتوحش الذي سيكون نداً ورفيقاً لجلجامش:
" وغسلت "أرورو" يديها، وأخذت قبضة
طين ورمتها في البرية
خلقت في البرية "أنكيدو" الصنديد،
نسل "ننورتا" القوي
يكسو جسمه الشعر، وشعر رأسه كشعر
المرأة
جدائل شعر رأسه كشعر "نصابا"
لا يعرف الناس ولا البلاد، ولباس
جسمه مثل "سموقان"
ومع الظباء يأكل العشب، ويسقى مع
الحيوان من موارد الماء
ويطيب لبه عند ضجيج الحيوان في
مورد الماء".
ويلي ذلك مقطعاً تنفرد به النصوص الأكدية ولا يُعرف له
مرادف في النصوص السومرية، يتناول أغراء أنكيدو من قبل "شمخات" ليهجر حياته
البرية ويتم ترويضه، حيث تقوم "شمخات" بأغراء "أنكيد" بكشف مفاتنها والمكوث معه
لستة أيام بلياليها، فلم يعد بعدها قادراً على العدو مع الحيوانات:
" أنطلق يا صيادي وأصحب معك بغياً
وحينما يأتي الى مورد الماء لسقي
الحيوان
دعها تخلع ثيابها وتكشف مفاتن
جسمها
فإذا ما رآها أقترب منها وأنجذب
إليها
وعندئذ ستنكره حيواناته التي ربيت
معه في البرية".
وبعد ذلك يؤخذ الى أوروك حيث المدنية والحضارة ويلتقي
جلجامش لأول مرة. وكان جلجامش قد رأى أنكيدو في حلم فبدا له بهيئة شهاب هائل
منير أرسله الإله "آنو" ليكون له نداً ورفيقاً.
اللوح الثاني:
يستعرض أحداث المواجهة الأولى بين جلجامش وأنكيدو من جهة والمخلوق الرهيب
"خمبابا"، حارس غابة الأرز من جهة أخرى. وقد ورد خمبابا في النصوص السومرية
بإسم "خواوا" القاطن في جبال زاجروس شرقي بلاد الرافدين.
"خمبابا زئيره مثل عباب الطوفان،
تنبعث من فمه النار، ونفسه الموت
الزؤام".
ويتناول
اللوحان الثالث والرابع مغامرة جلجامش ورفيقه أنكيدو في غابة الأرز، التي
يسبقها عروجهما على "ننسون" والدة جلجامش التي ترفع شكواها الى الإله "شمَّش"
معاتبة إياه بتعريض حياة أبنها للخطر بغية أنقاذ البلاد من شرّ المخلوق البغيض
المروِّع "خمبابا". وبعد مسير خمسين فرسخاً يشرف جلجامش وأنكيدو على طرف غابة
الأرز فيصاب أنكيدو بالهلع وتخار قواه إلا أن جلجامش يشجعه ويمضي عاقداً العزم
على تخليص البلاد من شرور خمبابا:
قال أنكيدو:
" يا صديقي أشعر بأن الخوف قد شل
جوارحي
لقد خارت قواي، وفقد ساعداي
القوة".
فقال جلجامش لرفيقه أنكيدو:
" لقد صرت تخشى الموت ونحن مازلنا
هنا
فماذا دهى شجاعتك وبطولتك؟
دعني إذن أتقدم قبلك، ولينادني
صوتك:
"تقدَّم! ولا تخف!
واذا هلكت فسأخلد لي إسماً،
وسيقولون عني فيما بعد:
"لقد هلك جلجامش في النزال مع
خمبابا المارد".
وفي اللوح الخامس يصلي جلجامش ويتضرع للإله شمش
طالباً نيل القوة ويُعيده سالماً:
"أنني ذاهب يا "شمش" وإليك أرفع
يديَ
عسى أن تنال روحي الخير والبركة
أرجعني سالماً الى ميناء "أوروك"،
وأبسط عليَّ حمايتك".
تشجع
جلجامش بعد أن رأى في نومه رؤيا تبشر بالنصر، فتقدم في الغابة وشرع يقطع أشجار
الأرز بفأسه فسمع خمبابا الضجيج وأستشاط غضباً وأستعد لمهاجمتهما، فهالهما مرآه
وندما علىركوب المخاطر والمغامرة وأدركا أنه سيقضي عليهما لا محالة، فأتجها الى
الإله شمش يسألانه العون والنجاة، فأستجاب الإله لطلبتهما وأثار الرياح العاصفة
التي صدت الوحش وجعلته يتسمر في مكانه فشلَّت قواه وأستسلم متوسلاً الأبقاء على
حياته لكن أنكيدو حرض جلجامش ليجهزا عليه فقتلاه وقطعا رأسه.
واللوح السادس
من الملحمة يروي عن اللقاء المشؤوم بين جلجامش والإلهة عشتار بعد إيابه منتصراً
في قتاله ضد خمبابا، وكان جلجامش قد أغتسل وصفف شعره وضفر جدائله وأرتدى حلته
البهية وحمل شاراته الملكية، فراقت طلته لعشتار التي سعت لأغواءه، غير أنه
يرفضها ويرذلها مذكراً إياها بعشاقها الذين دمرت حياتهم وبددت سعادتهم.
" أي خير سأناله لو تزوجتكِ؟
....
....
....
أي من عشاقكِ من بقيت على حبه
أبدا؟
أي من رعاتك من رضيت عنه دائماً؟
تعالي أقص عليك مآسي عشاقكِ
".
فأستشاطت
عشتار غضباً وأحست بالمهانة لما لقيته من جلجامش فأسرعت الى أبيها (آنو) مطالبة
بمساعدة الثور السماوي الذي أنتوت تسخيره لمحاربة جلجامش وثنيه عن صفاقته.
ونزولاً عند رغبتها يدع (آنو) ثور السماء يشيع الخراب والدمار والهلع والموت في
أوروك، فيتصدى له جلجامش وأنكيدو ويذبحانه، غير أنهما بفعلهما الشنيع هذا
يثيران سخط (آنو) فيحكم عليهما بمصير مأساوي.
يستهل اللوح السابع بحلم ينذر بموت أنكيدو، إذ
قررت الآلهة موت أنكيدو ونجا جلجامش. وفي اللوح الثامن تصف الملحمة
جلجامش متفجعاً نادماً لفراق وفقدان خلّه ورفيقه.
" أصيخوا إليَّ أيها الشيوخ
وأسمعوا قولي:
من أجل "أنكيدو"، خلي وصديقي، أبكي
وأنوح نواح الثكلى
أنه الفأس التي فيجنبي وقوس يدي
والخنجر الذي في حزامي والمجن الذي
يدرأ عني،
وفرحتي وبهجتي وكسوة عيدي
لقد ظهر شيطان رجيم وسرقه مني".
وفي
نصوص اللوح التاسع يطوف جلجامش البلاد كالرجل المتوحش ذاهلاً مضطرباً لشدة
حزنه وأساه، ويشكل هذا اللوح منعطفاً تتبدل فيه نبرة الملحمة، فقد أضحى جلجامش
البطل المقدام مشغول البال بفكرة الفناء وسيطر عليه هاجس الموت.
"من أجل أنكيدو، خلّه وصديقه، بكى
جلجامش بكاءً مراً
وهام على وجهه في البراري وصار
يناجي نفسه:
اذا مُتُّ أفلا يكون مصيري مثل
أنكيدو؟".
في اللوح العاشر يبلغ جلجامش بعد تجواله المضطرب
الى الجبل المقدس (جبل ماسو المقدس) الذي تُشرق منه الشمس كل صباح، فيسأل حراسه
ليرشدوه الى مكان أوتنابشتم، الإنسان الوحيد الذي حبت عليه الآلهة بنعمة
الخلود، غير أن الحراس يمتنعون عن تقديم المساعدة له فيواصل أسفاره المضنية عبر
الشعاب الوعرة، وبعد أن أعتراه الهزال والأعياء بلغ دار سيدوري صاحبة الحانة
الساكنة على ساحل الأقيانوس البدئي (الأبسو)، فتخبره سيدوري بمسكن أوتنابشتم
الكائن على الساحل الآخر من الأقيانوس، الذي لم يعبره أحد سوى شمَّش. وفي نهاية المطاف
يميط النوتي (المراكبي) أور-
سانابي لجلجامش اللثام عن سرّ وسائل عبور الأقيانوس.
أما اللوح الحادي عشر فيتناول وصول جلجاجش الى
مسكن أوتنابشتم، الذي أنعمت عليه الآلهة بالخلود، فيروي لجلجامش قصة الطوفان
وينصحه بالعودة من حيث أتى، وما أن همّ جلجامش بالرحيل ليعود أدراجه خالي
الوفاض، حتى أتاه أوتنابشتم ليخاطبه ويدلّه على موضع عشبة الحياة واصفاً أياها
بقوله:
"سأفتح لك يا جلجامش سراً خفياً
أجل سأبوح لك بسرّ من أسرار الآلهة
يوجد نبات مثل الشوك ينبت في
المياه
إنه كالورد شوكه يخز يديك كما يفعل
الورد
فإذا حصلت يداك على هذا النبات
وجدت الحياة الجديدة."
فأبحر جلجامش عائداً وأثناء عودته عبر البحر أفلح في
العثور على موضع النبتة السحرية فغاص في الأعماق وأبصرها فأخذها وقرر أن يحملها
معه لأهل أوروك لينتفعوا منها، لكنه في طريق العودة دخل بركة ماء عذب ليغتسل
ويرتاح من مشقة وعناء السفر، فإذا بحية تشتم رائحة العشبة فتتسلل خارجة
من جحرها وتلتهم العشبة ثم تنزع جلدها مجددة بذلك شبابها، فأنتاب جلجامش الحزن وبكى جهده
وعناءه المهدور، فعاد الى مدينته أوروك وهو لا يحمل سوى القناعة بأن الخلود ليس
لغير الآلهة وأن الإنسان لا تخلده سوى أعماله ومنجزاته.
اللوح الثاني عشر، وهو
لا يمت الى الملحمة بصلة ويُعتقد أنه عبارة عن نص تم تدوينه متأخراً ، وهو يصف
بأختصار كيف فقد جلجامش الآلتين الغريبتين (البكو) و(المكو) ـ ويُعتقد أنهما
الطبل ومدق الطبل ـ هاتين الآلتين اللتين صنعتهما
عشتار من شجرة الصفصاف وأهدتهما إليه ، فقدهما
بسقوطهما في العالم الأسفل ولم يفلح جلجامش في أستعادتهما فحزن كثيراً لأجلهما.
************************************
- إينانا ودوموزي / عشتار وتموز:
نزول
إنانا الى العالم الأسفل وموت دموزي:

تجمع الرواية
السومرية بين أسطورتين ألا وهما أسطورة "نزول إنانا الى العالم الأسفل"
وأسطورة "موت دموزي"، وثمة قصة أخرى مستقلة هي قصة "الزواج الإلهي" أي الإتحاد
الإلهي الذي يصف دورة الحياة على الأرض ، فالصيف والخريف في بلاد النهرين
يجلبان بحلولهما القحط والجفاف والظمأ سنوياً، أما الشتاء والربيع فيجلبان
الخصب والوفرة ، ولتفسير الأنقلاب الجلي للطبيعة وضع الكتّاب القدماء تفسيراً
أسطورياً مناسباً.
مع الغياب المرحلي
لدموزي رفيق إلهة الخصب
(إنانا/ عشتار) ، كان بوسع السومريين تفسير الموت (التغيّر) السنوي لعالم
الطبيعة لمدة ستة أشهر في ظل الحرارة المستعرة من شمس الصيف الرافديني . النص
الأكدي المقتضب الذي تتحول فيه إنانا الى عشتار، لا يشرح بما فيه الكفاية هذه
الدورة الموسمية للحياة والموت .
إنانا، إلهة الخصب
والحرب العظيمة، تنزل الى العالم الأسفل لتجابه وتتحدى قوى الشر . هذه القوى
تتمثل بالإلهة إريشكيجال، زوجة الإله نرجال وسيدة العالم الأسفل .
" من
الأعلى العظيم تاقت الى الأسفل العظيم
من
الأعلى العظيم تاقت الربة الى الأسفل العظيم
من
الأعلى العظيم تاقت إنانا الى الأسفل العظيم
هجرت
سيدتي السماء وتركت الأرض
إنانا
هجرت السماء وتركت الأرض
تركت
الملك والسلطان
الى
العالم الأسفل قد هبطت"
ترتدي إنانا حلتها
وحليّها المبهرجة وتجمع الشارات السبع لقواها، و في طريقها للنزول الى مملكة
إريشكيجال، يرافقها رسولها نينشوبور، الذي زودته إنانا بأرشادات واضحة ومحددة
ينبغي عليه تنفيذها في حال أخفاق المغامرة . وسيبذل نينشوبور فيما بعد جهده
أمام الآلهة العظام في سبيل إعادة سيدته الإلهة الى الحياة .
"ثم مشت
إنانا، في طريقها للعالم الأسفل
وإلى
جانبها مشى نينشوبور رسولها
فقالت
له إنانا المقد
|