شاعر العراق محمد مهدي الجواهري
 

 

الجواهري عن حسان لبنان ،ومشاركته في مؤتمر المعارضة العراقية 1991

  رواء الجصاني   Jawahiricent@yahoo.com

 

قبل بضعة ايام، وحسب ، حملنا  "منقاراً وأجنحة" أخف ما لمَّ من زاد ٍ اخو سفر، لنعبر الحدود إلى بيروت، راحلين إليها من دمشق التي ودعتنا فيها  السيدة ناديا ، حفيدة الشاعر العظيم ، وقد راحت شاءت أم أبت  اخر ركيزة للعائلة الجواهرية المستقرة  في بلاد الشام ، حالياً على الأقل... وهي التى حظيت ولربما وحدها من الأحفاد  على ما نعلم بقصيدة نادرة، ومعبرة من الشاعر العظيم عام 1988  ، ومن  ابياتها :

يا ناديا  الزهر الندي ... يا قطعة ً من كبدي...

يا ناديا  يا نغما، حلّى شفاه المنشد

جدك "ربّ الشعر" قد ضاق به، فانجدي

والخصل البيض اندلت، من شعره فمسدي

... واذ نتجاوز الحدود السورية بمسافة قصيرة  ، مع احباء واصدقاء  تلوح امامنا فضاءات لبنان ، وصورة  جنانه التي رسمها، ولونها الجواهري بأكثر من قصيدة، ومنذ العشرينات : سهولاً وجبالاً وبحراً ومجتمعاً وناسا، دعوا عنكم الوقائع الثقافية والسياسية وما إليها، وبينها... ومن الشواهد على ما نقول فرائده : لبنان في العراق خلال العشرينات الماضية ووادي العرائش وشاغور حمانا في الثلاثينات وبنت بيروت واخي الياس في الاربعينات وعبد الحميد كرامي في الخمسينات ولبنان ياخمري وطيبى في الستينات ...

 ثم نستريح قليلاً في محطة أولى عند  منطقة الروشة  في وسط بيروت ، والتي طالما حدثنا الجواهري  عن حبه لها ،  ولمقاهيها  التى تداعبها بافتتان وتغازلها بعشق  ، موجات البحر المتوسط، الساحر والهادر في آن ، وهو ذاته البحر  الذي ناجاه الشاعر الخالد، وان من موقع آخر، حين كان على سواحله في أثينا عام  1977:

سجا البحر وانداحت رمتل  ندية ولوح رضراض الحصى والجنادلِ

وفكت عرى عن موجة لصق موجة تماسك فيما بينها كالسلاسل

وسدت كوىً ظلت تسد خصاصها عيون ضباء أو عيون مطافل ِ

ولفّ الدجى في مُستجد غلالة ٍ سوى ما تردى قبلها من غلائل

سوى ما تردى من مفاتن سحرة وما جر فيها من ذيول الأصائل

وما حمل "الاصباح" شرقاً إلى الضحى من الورق النَديان أشهى الرسائلِ

... ونزور فضائية "السومرية" في بيروت لنلتقي عدداً من كادرها البارز  ومنهم  : امجد اسكندر وتوني بولص ، وليتطرق الحديث الى اللمسات الاخيرة  لمسلسل " الجواهري... كبرياء العراق" وصاحبه انور الحمداني ، والذي ينتظر ان تبثُ أولى حلقاته خلال أيام قليلة، لتكون على ما نزعم منطلق أول عمل ،  درامي توثيقي ، عن ابن الرافدين ، الذي خبط الدنى والناس طَراً، وآلى ان يكونهما فكانا... و بحسب ما ندري- ايضا - فقد صُورت أجزاء مهمة من ذلك العمل الفريد  في مناطق لبنانية شهيرة.

... وفي وسط بيروت عاشقة الفرح والمزدانة به برغم كل الآلام، نستذكر ، ونحن بين اللبنانيات الساحرات جمالاً وغنجاً ، ما كتبه عنهن الجواهري، عام 1947...

ناغيتُ لبناناً بشعري جيلا ، وظفرته لجبينه اكليلا

وحسان لبنان منحت قصائدي ، فسحبنهنّ كدلهنَّ ذيولا

أهديتهن عيونهنّ نوافذاً ، كعيونهن اذا رميّن قتيلا

ورجعت ادراجي اجر غنيمة من بنت بيروت جوى وغليلا

لُعن القصيدُ فأي مثر شامخ سرعان ما استجدى الحسان ، ذليلا

ولعلّ واحدة ممن عناهن القصيد السابق عن الفاتنات ، تلكم السيدة  التي تزوجها الجواهري أواسط الأربعينات، من عائلة بيضون  اللبنانية السورية الكريمة... وقد كتب نجل الشاعر، الدكتور فلاح في ذكرياته المنشورة عام 2009 عن علاقة ابيه، الخمسيني، او يكاد انذاك  ، بعروسته الشابة:

"لم أر  والدي، ولا في أي يوم في بيتنا بمثل هذا المرح والانطلاق، فوجهه اما ضاحك أو مبتسم أو على الأقل ينضح بالرضى... مليء بالحيوية والنشاط... يعبث كثيراً مداعباً أو ممازحاً... ولم يترك تلك "الحورية "  وحدها إلا ما ندر..."

    اخيرا نوثق ان اخر زيارة للجواهري الى بيروت كانت عام 1991 للمشاركة في مؤتمر تاريخي عقدته ستة فصائل عراقية معارضة للدكتاتورية والحرب والارهاب ، وقد كان الشاعر العظيم ، ووحده ، فصيلا اضافيا ،سابعا، بين المجتمعين ، بحسب رموز  سياسية بارزة  شاركت في ذلكم المؤتمر  ...ثم ، عاد الشاعر الخال لعاصمة السحر والجمال مرات ومرات ، منذ رحيله  عام 1997 والى اليوم  : حفلا تابينيا ، وقل احتفائيا ، وكتابات وبحوثا وذكريات ، من  شعراء وادباء ومبدعين  ومؤرخين ، وكذلك ديوانا كاملا بخمسة اجزاء اخرجه الفنان المبدع عباس الكاظم عام 2000 .... والبقية تاتي ،كما يقال...

مقاطع بصوت الجواهري من القصائد اعلاه .. على الرابط التالى

http://www.iraqhurr.org/content/article/2225542.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ     www.jawahiri.com

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواهري في يوميات سورية راهنة

  رواء الجصاني   Jawahiricent@yahoo.com  

توقفنا في كتابة سابقة بعض محطات في دمشقيات الجواهري التي امتدت مساراتها لنحو ثمانية عقود، على ما يحدثنا به الديوان العامر على الأقل... ونعود اليوم مرة ثانية، وليست أخيرة بالتأكيد، لندور حول "سوريات" جواهرية راهنة تحفل بعبر ومؤشرات لها أكثر من مغزى...

... ها نحن في مطار العاصمة السورية فجر الخامس من تشرين الثاني الجاري، في سفرة اطلاع وعمل قصيرة، ونفاجيء هناك بترحيب خاص يشيعه ضابط الجوازات بعد ان اطلع على تأشيرة الدخول والمعلومات الواردة في قسيمتها، وليقول: ذا وطنكم الثاني، ان لم يكن الأول... فالجواهري رمزنا المشترك، سورياً وعراقياً، بل وعربياً حتى...

... وإذ نقضي سويعات سريعة في مقهى "الهافانا" وسط دمشق، يداهمنا شيخ أنيق، مدمن على المكان كما قال، ليكتشف عراقيتنا دون كثير عناء، وليتحدث عن ذلكم الصالون الثقافي الشهير ورواده من شعراء العراق الأبرز، ممن كانوا يعمرون جلساتهم، مع الناركيلة الشامية الشهيرة وفي مقدمتهم الجواهري ، في الأربعينات والخمسينات،وخلالها وبعدها : احمد الصافي النجفي وعبد الوهاب البياتي والفريد سمعان وصادق الصائغ وسعدي يوسف وعبد الكريم كاصد وعواد ناصر ومظفر النواب ورياض النعماني وأقرانهم  ،أدباء وفنانين وغيرهم... وذلكم هو الجواهري يوثّق ما نحن بصدده، مخاطباً دمشق:

شممتُ تربك لا زلفى ، ولا ملقا ...وسرت قصدك لاخبّاً ، ولامذِقا
وما وجدتُ إلى لقياك منعطفا إلا إليك ، ولا ألفيت مفترقا
وكان قلبي إلى رؤياك باصرتي حتى اتهمت عليك العين والحدقا
شممتُ تربك أستاف الصبا مرحا ، والشمل مؤتلفاً ، والعقد مؤتلقا
وسرت قصدك لا كالمشتهي بلداً، لكن كمن يتشهّى وجه من عشقا

... ويأخذنا ضحى نهار تال ٍ ، يعبق بعطر الشام وعبير حسان منطقة الصالحية الدمشقية الشهيرة ، لنصل إلى ساحة السبع بحرات، وسط العاصمة أيضاً، لندور حوالي شقة الجواهري هناك، قبل أزيد من نصف قرن بقليل، وفي عامي 1956 و 1957 تحديداً، ولتعود بنا الأيام إلى عهد الصبا، "لو طللٌ سمع الشكوى، ولو ميت وعى"... مستذكرين، اقامتنا في تلكم الشقة، مع الشاعر العظيم ، لفترة وجيزة ماانفكت  اطيافها  ترسخ في القلب  قبل العقل ، وكأنها بنت اليوم... ولنردد معه :

دمشقُ عشتك ريعاناً وخافقة ، ولمّة، والعيون السود والأرقا
وها أنا ويدي جلدٌ وسالفتي ثلجٌ ، ووجهي عظمٌ كاد أوعُرقا
وأنت لم تبرحي في النفس عالقة ، دمي ولحمي والأنفاس والرمقا
تموجين ظلال الذكريات هوى وتسعفين الأسى والهمّ والقلقا

... وفي ليلة لاحقة، ندعى بصحبة أحباء وأصدقاء ، ومن بينهم صاحب الفضائية العربية التشيكية ، محمد عباس ، إلى درعا، المدينة السورية الحدودية مع العراق، وباستضافة بعض الوجهاء هناك، وإذ بالفنان المبدع سعدون جابر قادم بكل شوق ليشاركنا الأمسية: ذكريات بغدادية تمتد لأكثر من ثلاثين عاماً، وألحاناً شجية، وعواطف عامرة بالحنين ... ثم يحضر الحديث عن الجواهري، كالعادة، شاعراً ورمزاً، وليتوقف عند بعض قصور، أو تقصير فناني البلاد العراقية في استلهامهم لقصيد ابن الفراتين، الوطني أو الوجداني أو العربي، وان كانت بعض الاستثناءات هنا لحميد البصري، وفؤاد سالم، وجعفر حسن، وفريدة، وسالم حسين، وأخيرا على درايتنا الفنانة: بلقيس فالح.

ثم، وكما هي العادة في زياراتنا التقليدية لدمشق، يحلّ الوقت الأصعب، وهو زيارة ضريح الجواهري، وشقيقته نبيهة ، وزوجته امنة ، في تربة الشام، جوار مقام السيدة زينب، لتحتشد العواطف والذكريات عن عقود ستة، مابرحت تغني النفس، وتجدد العطاء... ثم نختتم زيارة الحفرة البرج المرموق جانبها، والتي صارت رمزاً، وذلك  بقراءة ما اختتُمت به شاهدة التعريف بالمقيم الخالد:

هنا يرقد الجواهري، بعيداً عن دجلة الخير...

  ثم ،ليعلو  هدير دون تخطيط مسبق :

حَيّيتُ سفحَكِ عن بُعْدٍ فحَيِّيني  ، يا دجلةَ الخيرِ ، يا أُمَّ البساتينِ

حَيّيتُ سفحَك ظمآناً ألوذُ به ، لوذَ الحمائم بين الماءِ والطين

يا دجلةَ الخيرِ يا نبعاً أفارقُهُ ، على الكراهةِ بين الحينِ والحين

إنِّي وردتُ عُيونَ الماءِ صافية ، نَبْعاً فما كانت لتَرْويني

يا دجلةَ الخيرِ : قد هانت مطامحُنا ، حتى لأدنى طِماحٍ غيرُ مضمون

أتَضْمنينَ مَقيلاً لي سَواسِيةً ، بين الحشائشِ أو بين الرياحين؟
خِلْواً من الهمِّ إلاّ همَّ خافقةٍ ، بينَ الجوانحِ أعنيها وتَعنيني

تهزّني فأجاريها ، فتدفعني ، كالريح تعجل في دفع الطواحين 

للمزيد ، وبصوت الجواهري ، على الرابط التالى:    http://origin.iraqhurr.org/content/article/2219176.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ   www.jawahiricent.com

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواهري عن زعماء ومشاهير واعلام 

  رواء الجصاني  jawahiricent@yahoo.com  

عشرات من الوقائع والشؤون والأسماء يوثق لها الجواهري في قصيده المترامي، ذي الخمسة والعشرين ألف بيت، في هذه المناسبة أو تلك : تمجيداً، أو استذكاراً، أو احتفاء...كما وأدانة وانتقاصاً ...وما بين  ذلك وهذا، كثير ومتنوع...

... وشأننا في هذه الحلقة من الايقاعات والرؤى، وقفات عند بعض ذلك القصيد الجواهري العامر الذي يُعنى ويتوقف ، بشكل مباشر ، عند اعلام "خلّدهم" التاريخ ، بهذا النحو  او  ذاك ، ويا للزمن  من شاهد عدل عزوف عن الرياء...

... ولكي نستبق التساؤلات حسنة النية، أو سواها، دعونا نصرّح ان ما سيأتي من الشواهد ذات الصلة، إنما يفرضها ما يتوفر لنا من مقتطفات بصوت الجواهري حول ما نحن هادفون له في مثل هذا التوثيق الموجز... وبحسب سياق تاريخي، لا غير... مرددين مع صاحب الأمر:

 يموت الخالدون بكل فج ٍ ويستعصي على الموت الخلودُ...

ففي عام 1944 يُسرى برفاة العلامة المصلح النهضوي الرائد جمال الدين الأفغاني من مصر إلى أفغانستان، عبر بغداد ، فيعتلي الجواهري المنبر بتلك المناسبة ليلقي مطولة شابك فيها، كعادته، الخاص بالعام، فدوت تتناقلها الأجيال، وراح يخاطب في مفتتحها الأفغاني بالقول:

هويتَ لنصره الحق السُهادا ... فلولا الموت لم تطق الرقادا
  ولولا الموت لم تترك جهاداً ... فللت به الطغاة ولا جلادا
 فزد بالفكر في خَلَد الليالي ... وجُل في الكون رأياً مستعادا
وكن بالصمت أبلغ منك نطقاً ... وأورى في محاججة زنادا
فان الموت اقصر قيد باع ٍ ... بان يغتال فكراً واعتقادا

... كما وفي العام 1944  ذاته ، يدعى الجواهري للمشاركةفي احتفاء كبير بذكرى المعري في دمشق ، وبحضور ومشاركة جمع مختار من الرسميين والمبدعين، وفي مقدمتهم د. طه حسين... ومن بين أبيات قصيدته في الاحتفال ، المسجلة لدينا بصوت الشاعر الكبير عام 1979:

قف بالمعرة ِ وامسح خدها التربا، واستوحي من طوق الدنيا بما وهبا

واستوح من طبب الدنيا بحكمته ، ومن على جرحها من روحه سكبا

على الحصير وكوز الماء يرفده، وذهنه ورفوف تحمل الكتبا

اقام بالضجة الدنيا واقعدها ، شيخ أطلّ عليها مشفقاً حدبا

لثورة الفكر تاريخ يحدثنا بأن ألف مسيح دونها صلبا

... أما في عام 1977 فيشارك الجواهري في مهرجان حاشد ببغداد احتفاء بألفية المتنبي العظيم "صديقه، وجاره"، بحسب ما صرح به في أكثر من مناسبة، ويلقي نونية عصماء بأكثر من ثمانين بيتاً وجاء مطلعها:

تحدى الكون واختزل الزمانا فتى لوى من الدهر العنانا

فتى دوى مع الفلك المدوي فقال كلاهما : انا كلانا...

فيا ابن الرافدين ونعم فخرٌ ، بأن فتى بنى الدنيا فتانا

ويا ابن الكوفة الحمراء وشى ، بها سمط اللالئ والجمانا

بحسبك ان تهز الكون فيها ، فتستدعي جنانك واللسانا

وان تعلو بدان ٍ لا يُعلى ، وان تهوي بعال ٍ لا يُداني

فماذا تبتغي أعلوَ شان ٍ ، فمن ذا كان أرفعَ منك شانا

... وهكذا ظل الجواهري شاعر القرن العشرين بحسب د. جليل العطيه، أو ديوان العصر، وفقاً للأستاذ حسن العلوي، موثقاً لوقائع محددة ، زماناً ومكاناً ومناسبةً ، كما ومستذكراً بالقصيد المدوي  شخصيات وادواراً  ، ومواقف معرّفةً باحداثها ووقتها : رؤساء وملوك وزعماء ومبدعين ومشاهير ، نحصي من بينهم، مع حفظ الألقاب والمواقع: فيصل الأول والخالصي وعبد المهدي المنتفكي وغاندي واحمد شوقي والبحتري وفيصل آل سعود والزهاوي وجعفر ابو التمن وياسين الهاشمي وستالين والمازني وفيصل الثاني ومعروف الرصافي وعبد الكريم قاسم والأخطل الصغير ومصطفى بارزاني وجمال عبد الناصر واحمد البكر والحسن الثاني وحافظ الأسد وجلال طالباني وسلطان العويس والحسين بن عبد الله... وجمعاً غزيراً آخر من الأقران.

... وأخيراً نقول ان ثمة المزيد من التأرخة والتوثيق و" التخليد " في الديوان الجواهري ، وبالنقد والقسوة والادانة هذه المرة ، لشخصيات وزعماء ومشاهير، وغيرهم، وبصراحة مباشرة حيناً، أو تورية في أحايين أخرى ، ونأمل ان تكون موضع اهتمام وحديث لاحق.

مقاطع بصوت الجواهري من القصائد اعلاه ، على الرابط التالي  http://www.iraqhurr.org/content/article/2212588.html
مع تحيات مركز الجواهري في براغ  http://www.jawahiri.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  هل الجواهري حقاٌ مجمع الأضداد؟؟؟؟


رواء الجصاني  
jawahiricent@ahoo.com

حول واحد من بين سبعة وثلاثين مؤلفاً عن بعض عطاء وحياة ابن الفراتين تضمها مكتبة مركز الجواهري في براغ، لأدباء وونقاد ومؤرخين عراقيين وعرب، صدرت في العقود الخمسة الماضية، تجيء هذه الكتابة لتتحدث عن كتاب نزعم أن فيه تميزاً في نواحٍ عديدة... ولاشك فإن علينا تبيان ذلك التميز، لكي نبرر أسبقية الاختيار...
... وذلك المؤلَف الذي نعني يحمل عنوان "الجواهري مجمع الأضداد" لكاتب وباحث فلسطيني وقور، من مدينة حيفا، هو د. سليمان جبران، وقد صدر في طبعة أولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر اللبنانية عام 2003... وللمؤلف بعد هذا الكتاب، وقبله، دراسات وبحوث عديدة في مختلف قضايا الشعر والشعراء، والأدب العربي عموماً، وجميعها يشهد لها بالكفاءة والمستوى الأكاديمي الرفيع...
ويشمل المؤلف هذا ثلاثة فصول رئيسية بحسب بعض اللغويين، أو رئيسة بحسب بعض آخر، موزعة هي الأخرى على محاور متعددة، في بطون ثلاثمئة صفحة من القطع الكبير تتداخل فيها، وخلالها، محطات في تاريخ الجواهري ، وقراءات من شعره ومواقف نقدية، وتطبيقية، واستنتاجات وخلاصات جهد المؤلف أن تكون واضحة وموضوعية، وبمنهجية ملموسة... وقد شملت مقتطفات من قصائد عدة، ومن بينها  قصيدة المحرقة المنشورة عام 1931 والتي تقول مقدمتها:

احاول خرقاً في الحياة وما اجرا ، وآسف ان امضي ولم ابق ِ لي ذكرا
ويؤلمني فرطُ افتكاري بأنني، سأذهب لا نفعاً جلبت ولا ضُرا
مضت حجج عشر ونفسي كأنها، من الغيظ سيل سُد في وجهه مجرى
خبرت بها ما لو تخلدت بعدَه ، لما ازددت علماً بالحياة ولا خُبرا
وابصرتُ ما اهوى على مثله العمى واسمعتُ ما اهوى على مثله الوقرا
وقد ابقت البلوى على الوجه طابعاً ، وخلفت الشحناء في كبدي نغرا
الم ترني من فرط شك وريبة ، أرى الناس حتى صاحبي نظراً شزرا
اقول اضطراراً قد صبرت على الأذى ، على انني لا اعرف الحر مضطرا
وما انت بالمعطي التمرد حقه ، اذا كنت تخشى أن تجوع ، وان تعرى

وعدا ذلك، وغيره، جاءت مقدمة الكتاب جامعة في تكييف وعي القاريء وتهيئته، وهو على أبواب "مجمع الأضداد" في حياة وشعر الجواهري، بما له، وعليه. وجاء في خاتمة تقديم المؤلف د. جبران:

"برغم اعجابنا الذي لا يخفى بشاعرية الجواهري، حاولنا تناول سيرته وشعره بموضوعية وتجرد، وعسى أن تساهم هذه الدراسة في التعريف بتلك الشاعرية الفذة، ومكانتها في تاريخ الشعر المعاصر".

... ترى هل وفق هذا الإيجاز في تبرير أسبقية اختيار مؤلف "مجمع الأضداد" للحديث عنه أولاً، وبما لا يثير عتاب أساتذة، وأصدقاء وزملاء وغيرهم؟!... نتمنى ذلك، وسنتابع بالتأكيد الحديث، في مناسبات لاحقة عن مؤلفات متميزة أخرى عن الجواهري، لكتاب وباحثين معروفين ومرموقين، متنوعي الاتجاهات والتوجهات والمناهج، ولكل منها أسلوبه وطبيعته وأهدافه... ولربما نعرج في حينها لننقل أيضاً لمحات من انطباعات الشاعر الخالد عن بعض تلكم المؤلفات، بل وحتى شيئاً من آرائه بأصحابها، القاسية أحياناً حد الاتهام بالدوافع التي كانت وراء اصدارها، وفقاً لتصوراته وتقييماته الخاصة على الأقل... وقد تحدث بها لنا، ولشهود عيان مقربين، بل وعلناً عن قسم آخر منها... ولسان حاله يقول:

يا نديمي امس اقتنصت طريداً، شاعراً كان يستضيف البيدا
كان هماً ، وكان صُلباً حديدا ، يملاً القفر موحشاً ، تغريدا
قلت من ؟ قال شرط أن لا تزيدا ، أنا أدعى : مسافراً ويزيدا
من بلاد ٍ أعدت على القرودا ، ونفتني ، وكنت فيها النشيدا
* * *
وتولى عني، فظلت مليا ، في قرود ٍ مفكر ، ونشيد ِ
وعلى انه أجاد الرويّا ، لم أجد في رَويِّه ِ من جديدِ
كان قلباً غضاً ، وفكراً طريا ،شاءه الحظُ في مزاحف دود
كل طير "مسافرُ بنُ يزيدِ" ، حين يغدو فريسة ً لقرود ِ

بقى ان نوثق أيضاً ان د. جبران قد حط في براغ قبل نحو عامين زائراً، وليطلع على بعض محطات في حياة الجواهري في عاصمة بلاد التشيك، التي أطالت الشوط من عمر شاعرنا بحسب قصيده... وقد نظمت للزائر الجليل ندوة عامة تحدث فيها عن مؤلفه "مجمع الأضداد" موضوع هذه الحلقة، وعن شؤون ٍ وقضايا ثقافية وأدبية كانت محط اهتمام كبير من الحاضرين...

للمزيد ، وبعض المقطوعات بصوت الجواهري الكبير ، على الرابط االتالي
 http://www.iraqhurr.org/content/article/2205774.html
مع تحيات مركزالجواهري في براغ : www.jawahiri.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجواهري في : "أي طرطرا ... تطرطري"

 

رواء الجصاني      jawahiricent@yahoo.com

في عام 1946 ينشر الجواهري قصيدته الذائعة الصيت "أي طرطرا ... تطرطري" في أجواء احتقان سياسي واجتماعي متعاظم في البلاد، قد يقارنه البعض بسوء، او بحسن نية، مع كثير من الوقائع التي يعيشها عراق اليوم... وكأن التاريخ يعيد نفسه بعد أزيد من ستين عاماً...

أي طرطرا ، تطرطري .. تقدمي ، تأخري

تشيعي ، تسنني .. تهودي ، تنصري

تكردي ، تعربي .. تهاتري بالعنصر

تعممي ، تبرنطي .. تعقلي  ، تسدري

تزيدي ، تزبدي .. تعنزي ، تشمري

في زمن الذرّ إلى بداوة تقهقري

وان كان المقطع السابق تناول تورية ً ومباشرة ً شخصيات البلاد المؤثرة آنذاك، ونال منها في مناح سياسية معلومة، يعود الجواهري في سياق القصيدة ذات الأكثر من ثمانين بيتاً ، لينتقد الأوضاع الاجتماعية والمدنية وغيرها، وبشكل قاس ٍ لحدود بعيدة... ولربما تسود هنا ومن جديد مقولة: ما أشبه الليلة بالبارحة في الكثير من الشجون، والشؤون العراقية ... وتباً للمتسببين :

أي طرطرا تطرطري .. وهللي ، وكبري

وطبلي لكل من يُخزي الفتى ، وزمري

وعطري قاذورة ، وبالمديح بخري

والبسي الغبي والاحمق ، ثوب عبقر

وافرغي على المخانيث دروع عنتر

طولي على "كسرى"، ولا تُعنيّ بتاج "قيصر"

... شامخة شموخ قرن الثور بين البقرِ

وبحسب ما ندعي، ومعنا غزير من المتابعين ، فان الرائية الجواهرية هذه قد حظيت بجماهيرية لا حدود لها، وحتى عند النخب السياسية التي عنتها أبيات القصيد فراحت امثلة على ألسن الناس، وكأنها تنطق باسمهم، وتكشف احوالهم، وأوضاع البلاد السائدة حينئذ ٍ، بكل التفاصيل والعناوين... ولم يضاهها في الشعبية والانتشار، كما نزعم ثانية، سوى تنويمة الجياع التي نظمها الشاعر الخالد عام 1951 والتي فيها الكثير من الموحيات والمتشابهات مع "طرطريته" الشهيرة:

نامي جياعَ الشَّعْـبِ نامي ، حَرَسَتْكِ آلِهـة ُالطَّعـامِ

نامي فـإنْ لم تشبَعِـي مِنْ يَقْظـةٍ فمِنَ المنـامِ

نامي على زُبَدِ الوعـود يُدَافُ في عَسَل ِ الكلامِ

نامي تَزُرْكِ عرائسُ الأحلامِ فـي جُـنْحِ الظـلامِ

تَتَنَوَّري قُـرْصَ الرغيـفِ كَـدَوْرةِ البدرِ التمـامِ

نامي تَصِحّي! نِعْمَ نَـوْمُ المرءِ في الكُـرَبِ الجِسَامِ

نامي إلى يَــوْمِ النشورِ ويـومَ يُـؤْذََنُ بالقِيَـامِ

نامـي على المستنقعـاتِ تَمُوجُ باللُّجَج ِ الطَّوامِي

نامي على نَغَمِ البَعُوضِ كـأنَّـهُ سَجْعُ الحَمَامِ

وعلى ما نرى أيضاً فان ديوان الجواهري العامر لا يشمل كثيراً  على مثل تيّنك الفريدتين، وان جاءت أبيات بعض القصائد الأخرى، حاملة بهذا القدر أو ذاك من السخرية الجادة الكثير والمؤثر... ومن بينها في "عبادة الشر" (عام 1933) ومطلعها: دعْ النبلَ للعاجز ِ القـُـعدد ، وما اسطعتَ من مغنم ٍ فازددِ ... أو تلكم الموجهة إلى الملاكم الدولي الأشهر في حينه، أواسط السبعينات، محمد علي كلاي وخاطبه فيها قائلاً: شِسْعٌ لنعلك كل مَوهبة، وفداء زندِك كل موهوبِ ...

وللمزيد، نوثق هنا، إلى ان رائية طرطرا الشهيرة قد جاءت على وزن القصيدة الدبدبية القديمة المعروفة "أي دبدبي، تدبدبى ... أنا عليّ المغربي"... وعلى ما ندري فثمة أبيات عديدة أخرى في "طرطرية "الجواهري حُجبت عن النشر، في ديوانه على الأقل، لأنها شملت أسماء صريحة، لعدد من القادة والزعماء السياسيين آنذاك، وقد عرف بعضهم بها، فتوسط، وترجى، بعدم النشر... وقد استجاب الشاعر لذلك بعد مماطلات، مقصودة على ما نعتقد...

... وختاماً ، دعونا نستمع سوية لمقطع ثالث وأخير من "اي طرطرا" الجواهرية ، وفيها ، وكالعادة ،من العبر ، ما يفيض :

اي طرطرا سيري على نهجهُم والاثر ِ

تقلبي تقلب الدهر، بشتى الغير ِ

تصرفي كما تشائين ، ولا تعتذري

لمن ؟! أ َللناس !! وهم حثالة في سقر

ام للقوانين؟ ... وما جاءت بغير الهذر

ام للضمير، والضمير صنع هذا البشر

لمن؟ أ للتاريخ؟ وهو في يد المحّبر

ام للمقاييس اقتضاهن اختلاف النظر؟

.. أن اخا طرطر من كل المقاييس ، بري

   ملف صوتي عبر الرابط التالي  

http://www.iraqhurr.org/content/article/2192279.html  

مع تحيات مركز الجواهري في براغ  www.jawahiri.com

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موحيات جواهرية  في الحياة والتنوير
 

  رواء الجصاني

ما أن يروح الباحثُ في حياة الجواهري المديدة، أو المتابع لشعره وقصيده العميم، متأملاً في حال هنا، أو شأن هناك، حتى تروح الحالات تترى، والشؤون تتوالى، و لليكاد المعنيّ ان يتوه في ذلك الفيض، ويفقد المحور في ما أراد الاهتمام به من أمر، أو يركز عليه...

ولا يدور الحديث اليوم عند مناحي الابداع، أو الثراء الفني، أو الغوص في غمار الوقائع التاريخية، بل نحاول أن نلتقط نيرات ونماذج من بين حشود الأبيات الشعرية الجواهرية التي تراوح عند الخمسة والعشرين ألفاً، بحسب ما ندري... ويا لها من مهمة استثنائية، تدفعنا للجوء إلى الزعم بأننا نريد اختياراتٍ معبرة وحسب،وليس بهدف التوثيق الكامل، أو الدراسة الممنهجة...

وبداية الاستشهادات التي نريد، بعد تلكم المقدمة الموجزة كما نرى، أو المستفيضة كما قد يراها آخرون، نتوقف عند بعض موحيات الجواهري في نظرته لسمات الحب الانساني للنصف الآخر، الذي تفرضه الطبيعة البشرية، غير المشوهة، او التي يراد لها ان تكون بمثل ذلك... فكلا الطرفين عارفان بما حوت الثيابُ، وضمت الأزرُ كما قال شاعرنا ذات حين... ولنستمع له موجِزاً عن تلكم الحال:

اني ورب صاغهن كما اشتهى ، هيفاً ، لطافا

وادقهن وما ونى ، واجلهن ، وما احافا

لارى الجنان اذا خلت منهن اولى ان تعافا

لو قيل كيف الحب ، قلت بان تـُداء ولا تشافى

... أما ما تبناه الجواهري  من مواقف ورؤى في الشموخ والإباء، والتي برحت عنواناً لشخصيته  الاستثنائية، فلعل في اختيارنا لبعض ما جاء في مقصورته المدوية عام 1948 ما يلخص ويفيد، وفي ذلك تفرد الشعراء وتميزهم، فما بالكم بمثل ذلكم الشاعر المتفرد بحسب مريديه، وكذلك بحسب من حاول ان يطالَ منه:

بماذا يخوفني الأرذلون ... وممن تخاف صلال الفلا

أيسلب منها نعيم الهجير، ونفح الرمال وبذخ العرا

بلى ان عندي خوف الشجاع وطيش الحليم وموت الردى

متى شئت أنضجت الشواء جلوداً تعاصت فما تشتوى

وبذلك المنحى تتجه فلسفة الجواهري وتتواتر حكمه في اختبارات الحياة، التي ذاق حلوها ومرّها، وخاض "غمارها حرباً سجالا" فرأى فيها ..."معاناة وتضحية  ، حب السلامة فيها أرذل السبل"... رائياً في "هتك الرياء مخاضة، فأبى إلا ان يروح مخوضا فيها " كما سجل ذلك شعراً ، مؤكداً وبذات الاتجاه، او قريباً منه في نونيته عام 1955:

يا أم عوف وكاد الحلم يَسلبنا، خير الطباع، وكاد العقل يردينا
خمسون زمت مليئات حقائبها، من التجاريب بعناها بعشرينا
يا أم عوف وما كنا صيارفة في ما نحب، وما كنا مرابينا
لم ندر سوق تجار في عواطفهم، وبائعين موادات ، وشارينا
يا أم عوف ولا تغررك بارقة منا، ولا زائف من قول مطرينا
انا اتيناك من ارضٍ ملائكها ، بالعهر ترجم او ترضي الشياطينا

ومن الاستشهادات الأخرى ، ما له صلة بهذا القدر، أو ذاك، بمفاهيم ومقاييس الجواهري في النوازع الانسانية التبريرية، أو الانتقالات والتغيرات في المواقف، او" التقلبات" بحسب بعض المتشددين، من دعاة الغلو... ولربما ما سجله الشاعر الخالد في قصيدة "قال وقلت" عام 1977 يعطي بعض صور عما يؤمن به من ضرورات وتصورات...

قلت مهلاً يا صاحبي، ظلمات الليل في عين حالم أضواءُ
أرأيت الكواز أنفس ما يملك ذخرا ، طين خبيث وماءُ
صانعا منه ألف شكل ٍ جراراً، قائلاً في جراره ما يشاءُ
يتغنى بـ "كوزه" ... وكان الكوز في الحسن، كوكب وضاءُ
وكذا كل خالق يترضى ما تبنى ، وهكذا الشعراءُ

اخيرا، آمل أن نكون قد استطعنا ان نعرض لبعض مباديء ومسارات ذلكم الجواهري  الذي لا يتردد في البوح بما يؤمن به، وما يريد، بهدف التنوير والارتقاء، بعيداً عن المجاراة والتردد متبنياً لمقولته:

خيرُ الشفاعة لي بأني كاشف حرّ الضمير ، وقائل:هذا أنا


المقاطع الشعرية اعلاه ، بصوت الجواهري على الرابط التالى

http://origin.iraqhurr.org/content/article/2185465.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ        www.jawahiri.com

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أيضاً.. عن بعض عربيات وعالميات الجواهري

   رواء الجصاني   jawahiricent@yahoo.com

كما وعدنا في كتابة سابقة ، نعود اليوم لنتابع وقفاتنا عند بعض عربيات الجواهري، وعالمياته، والتي لم ينقطع ابداعه فيها، وعنها، وحتى أعوامه الأخيرة، مشيرين بشكل خاص الى الوصف والوجدانيات ومؤجلين الحديث عن  السياسيات والتاريخيات ذات الصلة ، الى حين قريب ...

..فذلك هوالشاعر العظيم ، لم يبرح ، وهو في تسعينات القرن الماضي، وهي تسعينات عمره في آن متزامن، السفر والتجوال من هذه العاصمة إلى تلك، ومن بينها الرياض وبودابست، وطهران والقاهرة وأبو ظبي... وقد كانت جميع تلكم الانطلاقات من براغ، جنة الخلد كما يصفها... وكذلك من دمشق، التي عشقها منذ الثلاثينات، فكتب عنها وعن أهلها وتاريخها ما كتب... ومن بين ذلك عام 1979 حين قال:

شممتُ تربك لا زلفى ، ولا ملقا ...وسرت قصدك لاخبّاً ، ولامذِقا
وما وجدتُ إلى لقياك منعطفا إلا إليك ، ولا ألفيت مفترقا
وكان قلبي إلى رؤياك باصرتي حتى اتهمت عليك العين والحدقا
شممتُ تربك أستاف الصبا مرحا ، والشمل مؤتلفاً ، والعقد مؤتلقا
وسرت قصدك لا كالمشتهي بلداً، لكن كمن يتشهّى وجه من عشقا

... ويحدث ان يُدعى الجواهري عام 1973 إلى بلغاريا بضيافة اتحاد ادبائها، وتكون هناك، وضمن برنامج الزيارة "ليلة على فارنا" فيلبي الدعوة، ليُفتنَ بتلكم المدينة الساحلية الباهرة، وببحرها وجميلاتها، فيكتب عنها، واصفاً، ومتغزلا  مطولة، تتحدث بنفسها عن نفسها بلا لف ٍ أو دوران أو حرج من وشاة وحاسدين... ومما نشيعه هنا  عن القصيدة:

اشرق الفجر فوق "فارنا" فأضفت ، فوقه سحرها الخفيّ ، وأضفى
واستطاب الرمل الندي بساطاً ، فمشى ناعم الخطى ، يتكفا
معجباً يمسح الدجى منه عطفاً ، ويهز الصبح المنور ، عِطفا

وإذ نسرد هنا بعض عربيات الجواهري وعالمياته، بإيجاز سريع، نؤشر إلى أن ما كتبه في تلكم الرحاب، أو عنها، لم يقتصر على شأن دون غيره كما اسلفنا القول ...... فمع الوصف والوجدانيات، تأرخة ومواقف ورؤى يبثها الشاعر دون حدود أو أطر، وبتداخل دائم بين الخاص والعام... وهكذا نجد أكثر من بيت قصيد، في القصيدة الواحدة... ومن شواهدنا على ذلك نونية الجواهري في عدن، وعنها ،، حين زارها عام 1981 بدعوة من القيادات السياسية والثقافية في جمهورية جنوب اليمن آنذاك... وقد كان في حينها مقيماً، مغترباً عن بلاده في براغ عاصمة التشيك (موطن الثلج) بحسب القصيدة ذاتها:

من موطن الثلج زحافاً الى عدن تسري بي الريح في مهر بلا رسن ِ
كاسي على صهوة منه يصفقها ، ما قيّض الله لي من خلقه الحسن
من موطن الثلج من خضر العيون به ، لموطن السحر ، من سمراء ذي يزن
من كل ملتفة الكشحين ناعمة، ميادة مثل غصن البانة اللدن
يا للتصابي اما ينفك يجذبني ، على الثمانين جذب النوق بالعطن
قالوا اما تنتشي إلا على خطر ٍ فقلت ذلك من لهوى ومن ددني
سبحان من ألف الضدين في خلدي  ، فرط الشجاعة، في فرط من الجبن
لا اتقي خزرات الذئب  ترصدني، واتقي نظرات الاوعج الشدنِ
...

... اخيرا نعد ان نعود  في قريب قادم ، لمتابعة وتوثيق جوانب اخرى ، وعديدة ، من  غزير عربيات وعالميات الجواهري، الوصفية والوجدانية والغزلية  والسياسية ، والتي حفلَ بها ديونه العامر ...

مقاطع من شعر الجواهري اعلاه على الرابط التالي   http://origin.iraqhurr.org/content/article/2174498.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ       www.jawahiri.com

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في بعض عربيات الجواهري وعالمياته

  رواء الجصاني  Jawahiricent@yahoo.com

منذ بدايات انطلاقاته الشعرية في عشرينات القرن الماضي، لم يبرح الجواهري الابداع، وصفاً أو تأرخة وما بينهما عديد متنوع، عن مدن وعواصم الدنيا، سواء التي زارها أو أقام فيها، أو تابع أحداثها وحوادثها عن بعد، وقرب...

ولأنه انسانيّ السمات والرؤى كما يوثق المؤرخون والباحثون، في شعره، وحياته، وفكره، لم تكن للجواهري حدود في عطائه الشعري عن ذلك البلد، أو القوم أو تلك الأمة والمدينة ، وغيرهما... وذلك  هو الديوان العامر شاهد عدل على ما نحن بصدد العناية به....فنجد للشاعر الخالد قصائد ومقطوعات عديدة عن إيران وفلسطين وسوريا منذ العشرينات والثلاثينات والأربعينات... وكذلك عن زيارته الأولى لمصر في مطلع الخمسينات، وان كان قد كتب عنها، وأحداثها وشخصياتها في سنوات سابقة... ومما يقع تحت أيدينا بصوته بهذا السياق، رائيته الفريدة عام 1951 والتي جاء فيها:

يا مصر تستبقُ الدهور وتعثرُ والنيل يزخر والمسلة تُزهرُ

وبنوك والتاريخ في قصبيهما يتسابقان فيصهرون ويصهرُ

والأرض يُنقِذ من عَماية اهلها نور يرف على ثراك وينشرُ

هذا الصعيد مشت عليه مواكب ، للدهر مثقلة الخطى، تتبخترُ

يصل الحضارة بالحضارة ما بنى فيك المعزُ وما دحا الاسكندرُ

وبعيداً عن التسلسل الزمني، نتابع هنا بعض عالميات الجواهري وعوالمه فنشير إلى قصائده العديدة عن براغ، عاصمة التشيك التي أطالت الشوط من عمره، فدعا لها بطول العمر والخلود... وكذلك عن أهلها وحسانها وجمال طبيعتها... ولعلّ الأبرز منها، قصيدته الشهيرة عام 1965... ومن مطلعها:

اطلت الشوط من عمري، اطال الله من عمرك
ولا بلغت بالسوء، ولا بالشر في خبرك
حسوت الخمر من نهرك، وذقت الحلو من ثمرك
ألا يا مزهر الخلد تغنى الدهر في وترك

كما نعود لبعض عربيات الجواهري فنشير إلى ما كتبه عن تونس في الأربعينات والجزائر في الخمسينات والكويت والمغرب وليبيا في الستينات والسبعينات والثمانينات وكذلك عن لبنانياته العديدة ومن بينها لاميته عام (1947) بمناسبة الزيارة التي قام بها الرئيس بشارة الخوري إلى العراق... وجاء مفتتحها عن أهل البلاد وجميلاتها:

 ناغيتُ لبناناً بشعري جيلا ، وظفرته لجبينه اكليلا

وحسان لبنان منحت قصائدي ، فسحبنهنّ كدلهنَّ ذيولا

أهديتهن عيونهنّ نوافذاً ، كعيونهن اذا رميّن قتيلا

ورجعت ادراجي اجر غنيمة من بنت بيروت جوى وغليلا

لُعن القصيدُ فأي مثر شامخ سرعان ما استجدى الحسان ، ذليلا

... ويستمر القصيد العربي والانساني لذلك الشاعر الذي يصنفه النقاد بالعربي الأول في مضمار الكتابة عن شؤون وشجون الدنيا، شعراً وابداعاً ودون مدى... وان ركزنا في اختياراتنا على الوصف والتغزل والوجدانيات، فهناك الغزير أيضاً عن الأحداث والحوادث التاريخية والسياسية العربية والعالمية التي شملها قصيد الجواهري، بشكل متداخل، أو منفرد... ولكي نستشهد بالمزيد عما نحن بصدد التوثيق له، دعونا نتابع الأمر في كتابة قريبة قادمة

مقاطع من قصائد الجواهري اعلاه ... على الرابط التالي

http://www.iraqhurr.org/content/article/2168243.html

 مع تحيات مركز الجواهري في براغ   www.jawahiri.com

        ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

 نشيد وطني جديد من شعر الجواهري

         رواء الجصاني    JAWAHIRICENT@YAHOO.COM

قبل أزيد بقليل من عامين، وفي السابع والعشرين من تموز 2008 تحديداً، حين صادفت الذكرى الحادية عشرة لرحيل الشاعر الخالد، نشر مركز الجواهري في براغ، مقترح نشيد وطني جديد، للعراق الجديد وتطلعاته وآمانيه، وذلك من أبيات واقتباسات مختارة من الفرائد الجواهرية الشهيرة، وأبرزها "المقصورة" المتفردة المنظومة عام 1947 التي تصف وتؤرخ وتناجي وتنوّر، ما استطاعت إلى ذلك سبيلا:

سلام على هضبات العراق وشطيه والجرف والمنحنى

على النخل ذي السعفات الطوال على سيد الشجر المقتنى

على دجلة فاض آذيها كما حمّ ذو حرد فاغتلى

ودجلة لهو الصبايا الملاح تخوض فيها بماء صرى

تريك العراقي في الحالتين يسرف في شحه والندى

 وقد أُرفقت بالمقترح في حينها رسالة رسمية إلى رئيس مجلس النواب العراقي آنذاك محمود المشهداني، وإلى رئيس وأعضاء لجنة الثقافة والاعلام في المجلس، وجاء فيها ان مقترح النشيد الوطني الجديد قد "اعتمد على قناعات بأن يأتي مفتخراً بشواهد العراق وبعطاءات أبنائه، وان يعبر عن أمانيهم في التآخي الوطني والقومي... ولكن الانشغالات المهمة وغيرها، التي سادت، ومابرحت على ما نبرر، منعت اولئك المُخاطبين من متابعة الأمر... وعسى أن يكون المانع خيراً... كما يقولون...

 سلّم على الجبل الأشم وعنده من ابجديات الضحايا معجمُ

سفرٌ يضم المجد من اطرافه، ألقاً كما ضم السبائك منجمُ

يا موطن الأبطال حيث تناثرت قصص الكفاح حديثُها والاقدمُ

حيث انبرى مجدٌ لمجد ٍ والتقى ، جيلٌ بآخر زاحف يتسلمُ

وبحسب درايتنا فان المعنيين بتكييف الأبيات والمضامين، والاقتباسات وسياقاتها، قد أخذوا في الاعتبار العديد من الثوابت والسجل التاريخي الحافل للعراق والعراقيين، والتضحيات الجلى على طريق الشموخ والعلى. وبارتباط وثيق بين الماضي والحاضر والمستقبل، بعيداً عن التعصب والتشدد والغلو:

 شممتُ ثـراك فهب النسيم ... نسيم الكرامـة من بَلقـع ِ

وطفت بقبرك طوفَ الخيال ... بصومعـة المُلهـم المبدع

كأن يدا من وراء الضريح ، حمراء "مبتورة الاصبع"

تمُدّ الى عالم بالخنوع ، والضيم ذي شَرَق مترع ِ

لتبدل منه جديب الضمير ،باخر معشوشب ممرع

كما استندت الخيارات الشعرية لجملة اجتهادات بهذا الشأن، ومنها أن يكون المضمون مكثفاً، وواضح المعاني والمقاصد، ومن بحر شعري غير صعب على التلحين والأداء، ومركزاً على المشتركات الوطنية العامة، ومسارات وآفاق العراق الجديد...

... ووفقاً لمتابعين فقد لقيّ مشروع النشيد الوطني العراقي الجديد اهتماماً ملموساً من لدن الكثير من ذوي العلاقة: شعراء وسياسيين ومؤرخين وموسيقيين... ولانشك بان المزيد من النقاش والحوار والمتابعة المدنية والرسمية، سيوفر للمقترح ميزات إيجابية أخرى، وكلها تجيء إسهاماً مهماً على ذلك الصعيد... وبهدف ان يكون للبلاد رمز موحد، لا يخضع لهذه الارادات أو تلكم الاجتهادات أو لزمن، وآخر... وكما هي حال، وأحوال الشعوب المتمدنة، والبلدان الحضارية، والسائرة نحو التطور والازدهار... وما العراق والعراقيون على ما نزعم بأقل من أولئك، وهؤلاء، إذا ما أراد، أولو الألباب، وما أكثرهم لو شاؤوا عملاً وجهداً... وفي التالي نص النشيد الذي جرى نشره بصيغته الاساسية  ....

 

1- سلامٌ على هضبات ِ العراق ِ ... وشطـّـيه ِ والجُرف ِ والمنحنى
2- على النخل ِ ذي السعفات ِ الطوال ِ ، وشُمِّ الجبال ِ ، تُشيعُ السَـنا
3- سلامٌ على نيّرات ِ العصور ِ... ودار ِ السلام ِ ، مدار ِ الدُنى
 * * *

4- سلام ٌ على خالع ٍ مِنْ غـَـد ٍ ... فـَـخاراً على أَمسـِـه ِ الدابر ِ
5- سلامٌ على طيبات ِ النذور ِ ... سلامٌ على الواهبِ الناذر ِ
6- سلام ٌ على نـَـبـْـعـَـة ِ الصّامـِـدينَ ... تـَـعاصت ْ على مـِـعْوَل ِ الكاسر ِ
 * * *

7- سلامٌ  وما ظلَ روضٌ يفوحُ ... وما ساقطتْ ورقَ الدوح ِ ريحُ
8- سيبقى ويبقى يدوي طموحُ ... لنجم ٍ يضيءُ وفجر ٍ يلوحُ

إعادة للأبيات الثلاثة الأولى

1- سلامٌ على هضبات ِ العراق ِ ... وشطـّـيه ِ والجُرف ِ والمنحنى
2- على النخل ذي السعفات ِ الطوال ، وشُمِّ الجبال ِ تُشيعُ السَـنا
3- سلامٌ على نيّرات ِ العصور ِ... ودار ِ السلام ِ ، مدار ِ الدُنى

  
المقاطع  الشعرية اعلاه
 بصوت الجواهري الكبير ... على الرابط التالي

http://www.iraqhurr.org/content/article/2161413.html

مع تحيات مركز الجواهري  www.jawahiri.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجواهري ... تحديات وتمردات دون مدى

 رواء الجصاني     jawahiricent@yahoo.com

يندر ان يغفل الباحثون في عوالم الجواهري، والمؤرخون له، واحدة من أبرز سمات تاريخه وقصيده، ان لم تكن الأبرز أصلاً، ونعنى بها حالات الثورة على الواقع، والتمرد على القيود وتحدي التقاليد المورثة، والموروثة بكل عيوبها الاجتماعية والحياتية وما اليهما، وبينهما... وقد شملت تلكم الثورة، والتحديات، مجالات منفردة ومجتمعة في حشد غزير من قصيد الديوان العامر بالتمرد المترامي، مرة على العائلة والمدينة، وأخرى على البلاد وقياداتها، وكذلك على النخب الفكرية والثقافية والسياسية، وبشأن هذا وذاك، عديد متنوع من التفرعات والتشابكات.

احاول خرقاً في الحياة وما اجرا
واخشى ان اروح ولم ابق ِ لي ذكرى
مضت حجج عشر ونفسى كأنها
من الغيظ سيل ، سُد في وجهه مجرى

ولاشك فان دوافع تلكم الثورات والتمردات، كانت، وبقيت طوال عمر الشاعر المديد، تستند إلى فلسفته من أجل النهوض والارتقاء والتنوير، والقناعة الراسخة بضرورة ان يتحمل المبدعون والمفكرون وقبل غيرهم كل الأوزار... ومهما ثقلت ... وهاكم الجواهري صريحاً، وهو في حوار مع زوجته عام 1957 عن اللهيب والنار

قلت يا هذي لو اخترمت مفرقي شقين لم أتب ِ
أنا ذا من أربعين خلت ، أطعم النيران باللهب ِ

وبسبب الاصرار اللامتناهي على ذلك المسار، تحمّل الجواهري ما تحمل، ولقي ما لقى من  الحسدة الظلاميين والطغاة وأربابهم: جوعاً وتنكيلاً واعتقالاً وغربة، دعوا عنكم ما تحملته النفس من هضيمة وأذىً ، وما أقساهما على أصحاب الشموخ والطماح... مع انه يعترف، وبكل وضوح ان كل ذلك ضريبة وان بَهُضت، يجب ان تدفع دون منية أو فضل:

أقول اضطراراً قد صبرت على الأذى ، على انني لا أعرف الحر مضطرا ،
وليس بحر ٍ من اذا رام غاية ، تخوف ان ترمي به مسلكاً وعرا
وما انت بالمعطي التمرد حقه ، اذا كنت تخشى ان تجوع، وان تعرى

لقد كتب نقاد وباحثون كثيرون عن تمرد الجواهري وتحدياته الاجتماعية والسياسية والفكرية العامة، وتناولوا ذلك من زوايا كثيرة ومتداخلة... وقد نوفق في اختيارنا التالي مقتبساً موجزاً بشأن الأمر للباحث فالح عبد الجبار عام 2005 تحت عنوان الجواهري والتمرد الأول:

"يحملنا التخيل على الافتراض بأن الجواهري لو ولد قبل عقدين لدخل التاريخ معتمرا عمامة فقيه مبجل. ولو تأخر ميلاده عقدين لطلع علينا متمردا يساريا، او متمردا فكريا من حملة لواء الحداثة، جيل التمرد الثقافي المجدد. لكن الجواهري انسلّ الى موقع فريد، موقع خاص به ، خارج اهم طبقتين في عصره: طبقة الفقهاء منتجة الثقافة المقدسة، والطبقة السياسية الصاعدة حاملة لواء التحديث في عراق مفتتح القرن....لقد وقف الجواهري، رغم محاولات الدمج او نوازع الاندماج، خارج هاتين الطبقتين، حاملا راية الشعر الكلاسيكي المفعم بمضامينه الحديثة، مولّدا مزيجه الخاص، الفريد، في تلك التخوم الفاصلة والموصلة، حيث تتداخل اطياف الماضي بأطياف الحاضر"...

وأخيراً، وإذ يطول الحديث، عن تمرد الجواهري، وثوراته غير المساومة، على مباديء وقيم لا تبارى... دعونا نتابع هذا الموقف الجواهري الذي يعلو بكل شموخ وثقة بالنفس قبل اي امر اخر

يتبجحون بان موجاً طاغياً ، سدوا عليه منافذا ومآربا
كذبوا فمليء فم الزمان قصائدي ، ابداً تجوب مشارقاً ومغاربا
تستل من اظفارهم ، وتحط من اقدارهم ، وتفل مجداً كاذبا
أنا حتفهم ، ألج البيوت عليهم ، أغري الوليد بشتمهم والحاجبا...

 المقاطع  الشعرية اعلاه  بصوت الجواهري الكبير ... على الرابط التالي

http://www.iraqhurr.org/content/article/2154955.html

مع تحيات مركز الجواهري  www.jawahiri.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجواهري في المقامة الباريسية

 رواء الجصاني          jawahiricent@yahoo.com

... مثلما توقفنا في حلقات سابقة عند ايجازات لمقامات الجواهري المصرية واللبنانية واليمنية والسورية... تأتي وقفتنا اليوم عند بعض محطاته، الباريسية: في الشعر والسياسة والغزل والحياة... ونرى فيها، وقد يشاركنا الكثير في ذلك، انها جديرة بالتسجيل والتأرخة، في الخلاصات والتفاصيل، وبمشاركة مأمولة من بعثة العراق لدى اليونسكو، بقدر المطلوب، والممكن:

... يزور الجواهري العاصمة الفرنسية باريس لأول مرة عام 1948 وهو في طريقه إلى وارسو لحضور المؤتمر التأسيسي لحركة السلام العالمية، ممثلاً وحيداً عن العراق ،وحتى العرب على ما ندري... وبمشاركة شخصيات عالمية  بارزة ، ومن أهمها بحسب الجواهري، الرسام الأشهر: بيكاسو... وقد عاد شاعرنا إلى باريس في رحلة الإياب ليبقى فيها نحو ستة أشهر تاليات...

اما الديوانُ العامر فيحدثنا عن قصيد متميز، تغزلا بباريس "أم النضال" بحسب فريدته عام 1948 واستذكارا لتاريخها ، ومحبة لاهلها، ووصفا لجمال طبيعتها، وما بين هذا وذاك كثير... ثم يعود الجواهري ذاته لينظم عام 1956 وفي دمشق هذه المرة، قصيدة سياسية بمناسبة أسبوع التضامن مع الشعب الجزائري ونضاله من اجل الحرية والاستقلال، ولينال من فرنسا الاستعمارية، وقياداتها آنذاك... وجاء مطلع تلكم الفريدة باهراً كالعادة:

ردي علقم الموت لا تجزعي.. ولا ترهبي جمرة المَصرع

أما الوقفة، وقل المحطة الأبرز، في شعر الجواهري في باريس وعنها، فهي رائعته غير التقليدية بأجزائها الأربعة 1948-1949، عن "انيتا" حسنائه الفرنسية، حواء الثانية، كما يصفها في ذكرياته، وقد طالت وتشعبت قصته معها، وقصتها معه... ويكفي البوح هنا عن عمق العشق، ورسوخ الافتتان بتلكم الساحرة الغنوج ، انها لم تغب عن بال الجواهري، ولم ينقطع هيامه بها ، والإيحاء عنها، وحتى بعد نحو أربعين عاماً... ونحن هنا شهود عيان، حين تراءت له، أو خيالاتها بتعبير أدق، في حسناء تشيكية مرت سريعاً أمام مقهى كنا من جلاسه معاً في براغ ذات نهار ربيعي عام 1987... ومما يقع تحت أيدينا بصوته عن قصيدة أو قصائد "أنيتا"...

ان وجه الدجى "انيتا" تجلى عن صباح من مقلتيك أطلا

وكأن النجوم القيّن ظلافي غدير مرقرق ضحضاح

بين عينيك نهبة للرياحورياض المروج اهدتك طلا

رشفة مج عطرها وتولىحيث هذا الرأس الجميل تدلى

والفراش الذي به يتملىخصلات من شعرك الذهبي

كنت فيه الثريَّ، اي الثريّ

وللتارخة عن بعض مقامة الجواهري الباريسية أيضاً، نشير هنا  الى  زيارته على رأس وفد من اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي، ضد الارهاب والقمع في عهد البعث الأول عام 1963 وذلك بترتيب من دعاة سلام وحقوق انسان فرنسيين، نظموا للوفد عدة فعاليات ولقاءات تضامنية واعلامية بالتعاون مع دارسين ونشطاء وطنيين عراقيين هناك...

... ومما نوثق له كذلك ، زيارة الجواهري الاخيرة  لباريس عام 1984 مع عقيلته آمنة... وذلك محاولة لرأب الخلل الذي أصاب بعض نظره، بعد الجهد الكبير الذي بذله في انجاز جمهرته، في المختار من الشعر العربي، والتي دأب عليها نحو عام كامل، وقد جاءت وقائعها في بعض كتاباتنا السابقة... واخيرا دعونا  نختم هذه السطور بمقطع آخر من ملحمة "أنيتا" وهو لا يحتاج لشرح ما جاء فيه من موحيات وفنون ومشاعر ، على ما نزعم من جديد ...

اسمعي .. اسمعي "انيتا" فهنّاوهنا،  صوت صادح يتغنى

والطريق المهجور عاد فرنا.من جديد ببعثه يتهنى

فلقد دبت الحياة اليه.وتمشى المعاودون عليه

اسمعي وقع رائحين وغادي..وتملي من الوجود المعادِ

والقطار المجلجل المتهاديفي سفوح منسابة ووهادِ

اسمعي.. اسمعي "انيتا" صداه ... 

مقاطع من قصيدة انيتا بصوت الجواهري الكبير  ... على الرابط التالي
http://www.iraqhurr.org/content/article/2148267.html
          

         مع تحيات مركز الجواهري في براغ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الجواهري في بعض اخوانياته

  رواء الجصاني  : jawahiricent@yahoo.com

ليس من السهولة على ما نزعم، امكانية التمييز ،اوالفصل المطلق وان قسرياً - بين ما يمكن تسميته "اخوانيات" الجواهري الشعرية من جهة، وقصائده في مناسبات ثقافية أو سياسية أو وطنية عامة من جهة ثانية، إذ يتداخل فيها الخاص مع العام، وفي ترابط لا فكاك منه...

ويا أحبابي الاغلين من قطعوا ومن وصلوا

ومن هم نخبة اللذات عندي حين تنتخل

هم اذ كل من صافيت مدخول ومنتحل

سلام كله قبل ، كأن صميمها شعل

وشوق من غريب الدار اعيت دونه السبل

... وفي حالات كثيرة نرى الشاعر العظيم ، يتخذ من مراسلة او  مناسبة رثاء أو تكريم او رد جميل ، أو غيرها، مدخلاً لأفكار ورؤى ومواقف لا تعد ولا تحصى، ولربما لا علاقة لها بالشعر "الاخواني" اصلا  إلا في التسمية وحسب... ولعل البائية الشهيرة عام 1949، ذات البيت الأشهر "أنا حتفهم" واحدة من أبرز ما نعنيه بالتداخل والتشابك بين شعر الجواهري في "الاخوانيات" "والمناسبات"... وكذلك هي الحال  في قصيدة التي خاطب بها صديقه جلال طالباني عام 1980 ومن مطلعها:

شوقاً "جلالُ" كشوق ِ العين ِ للوسن ِ، كشوقِ ناءٍ غريبِ الدار للوطن ِ
شوقاً إليك وان ألوت بنا محنٌ ، لم تدر ِ أنا كفاءُ الضُّرِّ والمحن ِ
يا ابن الذرى من عُقاب غير مصعدةٍ ، شمُّ النسور به ، إلا على وهن ِ
وحسبُ شعريّ فخراً ان يحوزَ على ... راو ٍ كمثلك ندب ٍ ، مُلهمٍ فطن ِ
"جلالُ" صنتُ عهوداً بيننا وثقتْ ، فما توثقتَ من عهدٍ بها ، فصُن

... كما ترد في الذهن هنا أيضاً، قصيدته في تكريم الأخطل الصغير عام 1961، والتي جاءت "اخوانياته" فيها مدخلاً لسيل عتاب وشكاة ومواقف من البلاد واهلها  وقياداتها السياسية والثقافية آنذاك... ومطلعها:  لبنان يا خمري وطيبي هلا لمحتَ حطام كوبي

وفي الاطار ذاته تأتي قصائد عديدة أخرى ومن بينها - للاستشهاد وليس للحصر - نونيته عام 1965 التي يخاطب فيها الشاعر محمد صالح بحر العلوم، ورائيته الجوابية عام 1982 للدكتور موسى الجنابي، وسينيته إلى د. صلاح خالص (أبو سعد) عام 1984 والتي  جاء فيها:

أأخي "أبا سعد" ومن قُبَلٍ أُهدى ستقبس جمرتي قبسا
يا صفوَ إخوان ِ الصفاء إذا ما جفَّ نبعُ مروءةٍ وجسا
شوقاً إليكَ يشدُّ نابضهُ حبٌ ترعرع بيننا ورسا
والذكرياتُ ترفُّ ناعمةً رفَّ النسيمِ بحسرة همسا

أصلاحُ لم تبرحْ صفيَّ هوى صدقا ، إذا ما الكاذب انتكسا
ما انفك يومك مثل أمسك، عن غدٍ
، كلفاً بحب الخير منغمسا
تشتفّ ضوء الفجر ترقبه وتميز خيطيه إذا ألتبسا

 ... إلا ان ما تقدم لا ينسينا العديد الآخر من اخوانيات الجواهري "المباشرة" ان صح التعبير، والمنشورة على الأقل، ومنها إلى الشخصية الوطنية عبد اللطيف الشواف عام 1962 والأديب عبد الغني الخليلي عام 1967 والشاعر شاذل طاقة عام 1969 والى العلامة مهدي المخزومي (أبو مهند) حين الم عارض صحي عام 1974 وقال فيها :

أبا "مهند" لا آذتك نازلة ولا تخطت إلى عليائك العللُ

ولا خلت منك سوح الفضل عامرة بها اذا غبت عنها ساعة ، خلل

وظلت كالفجر ضوء منك منطلق يهدي العصور ، وهدي منك مقتبل

يا كاسي الجيل من افضاله منناً منها تتيه على اكتافه حللُ

وان كان ما سبق الحديث عنه يشمل بعض ما يحويه الديوان، فهناك جمع غير قليل من "الاخوانيات" غير المنشورة، ولربما يتسع الوقت في فترات لاحقة، لسلها من "أوراق" الجواهري الخاصة، وتوثيقها، ومن بينها مقطوعات وتأرخة وملاطفات، خص بها الشاعر الكبير أحباء وأصدقاء وكذلك مريدين وان لفترات محدودة أو قصيرة أحياناً -، ومن بينها حسب التسلسل الزمني إلى: موسى أسد، ومهدي الحافظ ، وعادل حبه ،ومرتضى الشيخ حسين، وعامرعبد الله ،وحميد برتو، وفخري كريم، وعبد الحسين شعبان ، ومحمد حسين الأعرجي ، وجمال الجواهري، وصابر فلحوط ، وآرا خاجادور،وكاظم حبيب ،وعثمان العمير،ونبيه ارشيدات... وكذلك لصاحب هذا الايقاعات والرؤى عام 1988.... وجميعها تصلح ، مع مقتطفات من بعض القصائد المنشورة في الديوان العامر ، مشروع مؤلف قادم، ولنسمه من "اخوانيات الجواهري"،نسعى لاتمامه بهدف توثيق بعض علاقات وآراء ومواقف إضافية للشاعر الخالد...

مقاطع صوتية للمقتطفات الشعرية اعلاه، على الرابط التالي

http://www.iraqhurr.org/content/article/2140056.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ : www.jawahiri.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواهري في قصيدة تكفيرِ ... وندم

 رواء الجصاني     jawahiricent@yahoo.com

في أجواء نفسية بالغة الشدة والتعقيد مرّ بها الجواهري عامي1953 و 1954 جاءت مطولة "كفارة وندم" لتنفّس عن بعض ما انتاب الشاعر من أحاسيس مرهفة وليعاتبَ فيها النفس قبل غيرها، بقسوة وصراحة لربما قلّ مثيلها في أي من قصائد الديوان، العامر، الأخرى:

ستبقى ويَفْنَى نَيزكٌ وشِهابُ نفوس أبيات الدماء غضابُ

لطافٌ كأنفاس ِ النسيم ِ نوافدا ، اذ القلب صُمٌّ كالصخور ِ صِلابُ

هوتْ عّذَباتُ العمر ِ إلا صوامدا ، على لفح إعصار ِ ، فهنّ رطابُ

وجفَّ وريقٌ منه إلا نديّة ً تعاصت على الأيام ِ فهي شبابُ

عييتُ بطبّ الأحمقين وجهلهم بأن النفوس الخيرات ِ عجابُ...

... وهذه القصيدة التي نعنى ، ذات أكثر من ثمانين بيتاً، وقد جاءت جميع الانتقالات فيها ضمن ديالوج مع النفس: استعراضاً وتوثيقاً وتساؤلات وردوداً واستذكاراً للمواقف والعطاءات...

أقولُ وقد كلّ الجوادُ فلم تَجُلْ مسوّمةٌ غالوا بهنّ عِـرابُ

وصوّحَ قاعُ الطيبات ِ وأعولتْ عليها من الضـِغن الخبيث ِ ذئابُ

وقاءَ اللئيمُ الدونُ ما في ضميره وجفَّ فما عند الكريم ِ شراب

ثم يعود الجواهري في الأبيات التالية من مطولته هذه لمزيد من المراجعة مع النفس على ما أعتقده ولربما بالغ فيه بحسب ما نزعم، ومتابعون آخرون: كبوةً بالغة لم تشهد مثلها حياته كلها، وذلك في داليته عام 1953 بمناسبة تتويج الملك العراقي الثالث، والأخير فيصل الثاني... وهكذا راح الشاعر الكبير يستنهض الذات، ويحفزها على الشموخ الجواهري المعهود، مستعيناً ومتباهياً ببعض رصيده الوطني والانساني الذي يستند إليه تاريخه العريق:

حنانيك ِ نفسي لا يضق منك جانبٌ إذا ضاق من رُحْب ِ النفوس جَنابُ

ولا يَتَهَضَّمْك ِ انخفاضٌ فطالما تخفـَّضَ نَسْرٌ صاعدٌ وعُقاب

وشامخة ُ الأدواح ِ يُلوى عِنانُها مع الريح ِ ، والمحضُ الصريحُ يُراب

وما لك ِ من عتب ٍ على الدهر ِ إنما عليك ِ لما هوّنْت ِ منه، عِتابُ

تقحّمتِه ِ حتى كأنك ِ فوقَه وأنك ِ إذ طـَمَّ العُباب عُباب

 ...ويواصل الجواهري الشاعر باللوعة والهضيمة من النفس أولاً، ايحاءاته وقوافيه بذات المسار داعياً وبمزيد من العزم إلى تجاوز الانتقادات والاعابات والتطاولات التي عانى منها، وإن جاءت بحق أو بمزاعم وادعاءات:

حنانيك ِ نفسي دونك ِ الكونَ كله فرنّي به يُسمعْ صدىً وجَوابُ

محلِّقة ً طيري وإن هبّ عاصفٌ وأخلدَ ليلٌ ، واستكنَّ ضَبابُ

وساخرةً حتى تزيغ َ شواخصٌ إليك ِ ، وحتى تستشيطَ رقابُ

أخيراً نوثق هنا ان الجزء الثاني من ذكريات الجواهري المنشور عام 1991 يتوقف بشيء من التفصيل عند وقائع عديدة أخرى ذات صلة بما تناولته ووثقت له قصيدة "كفارة وندم" التي عنيت بها هذه الايقاعات والرؤى.

الجواهري في قصيدة تكفيرِ وندم ... بصوته على الرابط التالي

http://origin.iraqhurr.org/content/article/2128353.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ     www.jawahiri.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صورة العراق في شعر الجواهري
 

   رواء الجصاني            jawahiricent@yahoo.com
... والعنوان  اعلاه وسمٌ لاطروحة دكتوراه حازها الدارس احمد الذهب في مفتتح  شهرآب الحالي من جامعة السودان، وشملت تمهيداً عن تاريخ البلاد العراقية وأحوالها الثقافية، وخمسة فصول عن حياة الشاعر العظيم ونشاطاته الثقافية والصحفية...

وجاء في ملخص الأطروحة التي حصلت على درجة ممتاز: لقد عاش الجواهري حياة طويلة حافلة بالنضال والإبداع امتدّت على مدى القرن العشرين كله تقريباً. إذ وُلد عام 1900 وتوفي عام 1997... وهي مرحلة مهمة وحاسمة من تاريخ العراق والأمة العربية. وكان في قلب أحداثها السياسية والاجتماعية والفكرية المختلفة، فسجّل كلّ ذلك في أشعاره بما أصبح فيما يُعد سجّلاً تاريخياً مهماً لبلده...

حييت سفحك عن بعد فحييني  يا دجلة الخير يا ام البساتين
يا دجلة الخير يا نبعاً أفارقه على الكراهة بين الحين والحين
اني وردت عيون الماء صافية نبعا فنبعا فما كانت لترويني

 واضاف ملخص الأطروحة التي أشرف عليها البروفيسور يوسف نور الدايم "لقد تميّز الجواهري بموهبة فائقة ومقدرة فنيّة عالية ونفس شعري نادر، إذ تجاوزت مجموعة كبيرة من قصائده المئة بيت، كما زاد بعضها على المئتين... مع المحافظة على القيمة الفنية والجمالية فيها... كما استطاع المحافظة على صورة القصيدة العربية القديمة بأوزانها التقليدية ونفسها العربي الأصيل متحدياً بذلك كلّ حركات التجديد الشعري التي عاصرها، كالمدرسة الرومانسية ومدرسة الشعر الحرّ ومدارس الحداثة الأخرى...

وبحسب ما وصلنا من إيجاز لأطروحة الدكتور الذهب أيضاً، فإن من بين نتاج الجواهري الغزير الذي يبلغ عشرات الآلاف من الأبيات الشعرية في شتّى الأغراض الإنسانية المختلفة، اختارت هذه الدراسة الأكاديمية البحث في أشعاره التي وصف فيها بلده العراق بكلّ تفاصيله، محاولة بيان الصور الشعرية في قصائده وأدواتها الفنية، فاشتملت ، وكما سبقت الاشارة اليه ،على تمهيد وخمسة فصول  ..كان الأول عن وصفه الحسّي لبلده بمرابعه ورافديه ومدنه وقراه. والثاني عن أوضاعه السياسية التي كان الجواهري في الصميم منها فأظهرها في أشعاره واضحة جلية مؤثّرة، والثالث عن أحوال العراق الاجتماعية كما وصفها الشاعر ومنها: موضوعات الغنى والفقر والإقطاع والمرأة والشباب والتعليم وغيرها. أما الفصل الرابع فكان عرضاً للصور الفكرية التي تلمّسها الجواهري في بلده عبر تاريخه العريق فثبتها في ديوانه، كما وصف الأحوال الفكرية المعاصرة كحياة الشعراء ومجالس الأدب والرموز الثقافية فيه... أمّا الفصل الخامس فكان تخيلاً فنيّاً لصور الجواهري  الشعرية التي وصف بها العراق أسلوباً وموسيقى وايحاءات : 

سلام على هضبات العراق وشطيه والجرف والمنحنى

على النخل ذي السعفات الطوال على سيد الشجر المقتنى

على دجلة فاض آذيها كما حمّ ذو حرد فاغتلى

ودجلة لهو الصبايا الملاح تخوض فيها بماء صرى

تريك العراقي في الحالتين يسرف في شحه والندى

... وبمناسبة هذا العرض الذي اقتبسناه في غالبيته مما أوجزه صاحب الأطروحة احمد الذهب، نزيد هنا ان ثمة رصداً سريعاً يعلمنا عن رسائل ماجستير ودكتوراه عديدة قد كتبت عن الشاعر الخالد... ومما يمكن ان نوثقه عنها: شعرية النص عند الجواهري اطروحة دكتوراه لعلي الزهيري (جامعة بغداد) عام 2007 وثانية موسومة: البنية الايقاعية في شعر الجواهري لعبد نور عمران (جامعة الكوفة عام 2008) وأخرى عن خصائص الأسلوب في شعر الجواهري لفوزي علي صويلح (جامعة صنعاء 2008). والتمرد والخضوع في شعر الجواهري رسالة ماجستير لنواف قاسم سنجاري (جامعة صلاح الدين) الكردستانية  2001. وخصائص الأسلوب في شعر الجواهري رسالة ماجستير لسهام قنبر علي (جامعة دمشق، 2002). والصورة الفنية في شعر  الجواهري، رسالة دكتوراه لطارق عمر عريفي (جامعة دمشق، 2004). والاتجاهات الموضوعية والفنية في شعر الجواهري، رسالة دكتوراه، لجميل عبد الغني محمد علي، جامعة الأزهر. ودراسة نحوية دلالية في شعر الجواهري، رسالة دكتوراه لصالح عبد العظيم الشاعر (جامعة القاهرة، 2009).

... واخيرا دعونا نتعذر بضيق المجال، ونتحجج بالعُجالة، لنبرر تأخرنا في استعراض بحوث ودراسات جامعية أخرى عديدة عن الجواهري الكبير، لأساتذة ومبدعين متميزين، نعد ان نوثق لهم وما كتبوه في قادم الايقاعات والرؤى.

ملف صوتي لمقاطع القصائد اعلاه ، بصوت الجواهري ، على الرابط التالي:
http://origin.iraqhurr.org/content/article/2127735.html
مع تحيات مركز الجواهري في براغ :    
www.jawahiri.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حول بعض غزليات الجواهري... وعنها
   رواء الجصاني  : jawahiricent@yahoo.com

ابتعاداً مؤقتاً عن أجواء السياسة والوطنيات والمواجهات واللواعج، دعونا نحط الركاب اليوم عند قبسات من عوالم الجواهري الغزلية وفي عشق الحياة والجمال، والتي مابرحت ترافقه حتى أعوامه الأخيرة، وهو في التسعينات من العمر...

ومن بين ما يقع تحت أيدينا مما يوثق لهيام الجواهري بجميلات الدنيا، واقعة تتحدث بنفسها عن نفسها في براغ عام 1961 حين طفحت مشاعره  اعجاباً بحسناءَ من بنات التشيك، تتصفح كتابا ، صادف أن التقى بها في حافلة نقل عامة، فتصنّع دور المتسائل عن الوقت، ليتقرب منها، فصدته بذات الذكاء المعهود لديهن في مثل تلكم المواقف، ولتدير له ساعتها دون نظرة أو رد ٍ على سؤاله، وفلتت منه خلال الزحام، ولكنه اصطادها قصيدة، ودخلت التاريخ من حيث لا تدري... وتلكم خسارتها بالتأكيد، إلا انها أكسبتنا مطولة فريدة  فيها ما فيها من العبر والموحيات:

حسناء رجلك في الركاب ... ويداك تعبث في الكتابِ

وأنا الضميء إلى شرابك، كان من ريقي شرابي

حسناء ساعتك التي دورت كانت من طلابي

حاولت اجعلها الذريعة، لاحتكاكي واقترابي

عبثاً فقد أدركت ما تنوي القشورُ من اللباب

كنت العليمة بابن آوى إذ تملق للغراب

ثم يرفع الجواهري الهائم، راية الاستسلام، معترفاً بفارق العمر حائلاً  بينه وحسنائه المبتغاة، وليواصل توثيق الحدث، بصراحة الواثق بالنفس والأحاسيس الانسانية، ودون ان يخشى في ذلك لومة لائم صادق، أو خائب، أو من بينهما...

حسناء لم يَعسرْ طلابي ، لو كان ما بك مثلما بي

لكن بك المرحُ اللعوب ِ ، وسحرهُ ، ودم الشباب

وبيّ الذي لا شيء يعدل قبحه إلا التصابي

وخَط ُ المشيب كأنه ، كلاً تهيأ لاحتطاب

... ولأن الشيء بالشيء يذكر، نشير هنا إلى اننا كتبنا قبل فترة وجيزة ، في مثل هذه الايقاعات والرؤى عن مزاعم جواهرية أعاب عبرها التغزل والعشق في سبعينات العمر حين راح يقول في ديالوك مع النفس:

لجاجك في الحب لا يجمل... وأنت ابن سبعين لو تعقلُ...

تقضى الشباب وودعته، ورحت على لحده تعولُ...

 ولكنه تخلى على ما نعهدُ ونوثق عن تلكم المزاعم، واستمر هائمًا  في الشعر على الأقل ومن يدري -  بجميلات الدنيا، أينما حلّ، ورحل... ولمن يريد دليلاً على ما نقول، ذلكم هو الشاعر الشاعر، يتغزل عام 1973 وبحشود الحسناوات التشيكيات، وجملة هذه المرة، وليس بواحدة منهن فحسب:

جاءت الأسراب تترى مقطعٌ من نشيد الصيف يتلو المقطعا،

وتقاسمن الصبا ميعته ، وشذاه ، والهوى والمتعا

وتخففن فما زدن على ، ما ارتدت حواء إلا اصبعا

وإن كان ما سبق لا يكفي برهاناً، ها نحن نستزيد فنشير إلى  بائيته المنظومة أوائل الثمانينات الماضية في صبايا وفتيات في ريعان الشباب، شاركن في استعراض ٍ جماهيري حاشد في برلين انتصاراً للسلام والأمن العالميين، فقال فيهن، وعنهن:

أفأنتن للسلام ... من ترى ظلّ للحروبْ

أو زحفاً إلى الأمام ... سلمت تلكم الكعوب

لا تلوحن بالسلاح ... لديكن ما ينوب

ما تهادى على الصدور ، وما ضمت الجيوب

وبما لمّت الرموشُ ، رؤى عالم ٍ تجوب

لا وعينيك لن أتوبَ ، لن أتوبَ ، لن أتوبْ

وهكذا ظلّ الشاعر، وطوال عمره المديد كما أسلفنا القول، يستريح، ويأخذ نفسا  بين الحين والآخر، من المواجهات واللواعج وهموم العباقرة الأفذاذ، فيستظل بأفياء من "زنَّ الحياة"... منذ بدء الخليقة وإلى اليوم، بل وكل يوم...

مقاطع صوتية للقصائد اعلاه على الرابط التالي:    http://origin.iraqhurr.org/content/article/2121357.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ : www.jawahiri.com

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجواهري وبعض ذلك الصمت المريب
  
رواء الجصاني   
jawahiricent@yahoo.com
 

مرت قبل بضعة ايام  أيام، وفي السابع والعشرين من تموز تحديداً، السنوية الثالثة عشرة لرحيل الجواهري الخالد... وقد رصد المتابعون جمعاً من المواضيع والاستذكارات التي كُتبت بهذه المناسبة، وتحدثت عن بعض ارث وتراث ذلكم الرمز الوطني والثقافي العراقي الأبرز في القرن العشرين على الأقل... كما نوّه معنيون في ذات الوقت إلى ان هذه السنوية قد حلّت مرة أخرى ، ومازال واقع الحال مشوباً بالتواضع على الصعيدين الرسمي والثقافي الحكومي في آن... مما قد يُعيد التساؤل مجدداً عن مثل ذلك الصمت، ودوافعه، ومراميه 

يا نديمي امس اقتنصت طريداً، شاعراً كان يستضيف البيدا
كان هماً ، وكان
صُلباً حديدا ، يملاً القفر موحشاً ، تغريدا
قلت من ؟ قال شرط أن لا تزيدا ،
أنا أدعى : مسافراً ويزيدا
من بلاد ٍ أعدت على القرودا ، ونفتني ، وكنت فيها
النشيدا

وتولى عني، فظلت مليا ، في يزيد ، مفكراً ، وقرود
 
وعلى انه
أجاد الرويا ، لم أجد في رويه ِ من جديدِ
كان قلباً غضاً ، وفكراً طريا ،شاءه
الحظُ في مزاحف دود
كل طير "مسافرُ بنُ يزيدِ" ، حين يغدو فريسة لقرود

 ... ونزعم أن استذكار الجواهري وتراثه الفكري وعطائه الوطني والانساني، يعني من جملة ما يعني احتفاء بالقيم والمواقف التي حمل لواءها الشاعر العظيم وروّج لها طوال حياته المديدة التي قاربت القرن كما هو معروف... كما نزعم أيضاً أن بعض الصمت حيال ذلك الاستذكار إنما يعبّر عن خلاف وتضاد بين اتجاهات ورؤى في النظرة للحياة والتطور... ولن نفصل في تقييم تلكم التقاطعات، تاركين لأصحاب الفطنة والألباب هذه المهمة غير العسيرة بالتأكيد، للتوصل إلى النتائج التي يرون.

... والصمت الذي نتحدث عنه هنا، في هذه العجالة، وشبيهاتها، ليس جديداً على متبنيه، من حاسدين ومتخلفين وشوفينيين وطائفيين وعنصريين وأضرابهم. فقد حاولوا وما برحوا، عبر صمتهم المريب فضلاً عن الرياء والجحود والزيف أن يعتّموا على مفاهيم وقيم التنوير التي تبناها الجواهري وأصحابه ونظراؤه، شعراً وفلسفة ومواقف رائدة، منحازة إلى المنطق والعقل والتحضر... كما ندعي أن أولئك وأشباههم، قد يكونوا هم المعنيون في بائية الجواهري الشهيرة عام 1949:

"لقد ابتلوا بي صاعقاً متلهباً، وقد ابتليت بهم جهاماً كاذبا"

... كما عنى بعض جمعهم الذي: "يخشى اللصوص فيذبح العسسا ...

 

عوت "الذئابُ" عليَّ ناهزة فرصاً تثير الذئب مفترسا
ينهشن من لحمي وكل
دم فيه لخير الناس قد حُبسا
من كل داجٍ لا يحب سنى للصبح يطمس ليله التعسا

ودفعت جمع يد ، وملء فم ، ومداهن أصغى فما نبسا


"
أصلاحُ" إنّا رهنُ
مجتمع يخشى اللصوص فيذبح العسسا
يُزهى بفارسه إذا افتُرسا وبضوء نجم ساطع طُمسا

ونتاج زرع لا يُداس به إلا على الزهر الذي غرسا

 

... نقول ذلك وأمامنا  العديد من التجارب والوقئع تجارب ووقائع عديدة لشعوب ومجتمعات وبلدان ما برحت تعدّ الاحتفاء برموزها الثقافية والتاريخية ومشاهيرها وشخصياتها، مناسبات متميزة تبرز الاعتزاز، بعطاءات التراث والتاريخ الوطني والثقافي والافتخار بها دون حدود... ودعونا نزعم من جديد إن مستويات تلك الاحتفاءات تعكس مقاييس رقيٍّ وارتقاء... ومعها، ولربما قبلها امتحان لقدرات ومواقف المؤسسات والمناصب والمراكز الثقافية، ومن يتحمل العناية بها، تكليفاً أو اختياراً وما بينهما...

لقد تعرض العشرات ، وقل المئات ولا تخف ، من المثقفين، والمبدعين العراقيين، للجحود، والتغييب على مدى سنوات عجاف مرّت على البلد العجيب في تناقضاته وصراعاته بحسب الجواهري وكل ذنب أولئك انهم تسابقوا، وفي الزمان والمكان الخطأ، للاجتهاد خارج السرب، وتجاوزوا السائد من تقاليد وأعراف، فراحوا يسعون للارتقاء، واختراق مفاهيم الظلامية والجهل ورعاتها، وأربابهم... وقد كان جزاءهم الأدنى: مساهي الاطباق المميت على ابداعهم وتطلعاتهم ورؤاهم التنويرية... وما تلك على ما نرى سوى الضريبة المجحفة الأبشع، على ما ارتكبوه من " آثام " الإبداع وتجاوز الحدود...

وعلى أية حال، وأخرى، فان الفيصل الأصدق كان، ولم يزل، الوعيّ والوجدان والضمير، وذلك ما سيثبته قادم الزمان، حين تنطفيء وتنكفيء صراعات الأيدي والسلاح والأحقاد والدجل، ويطمسها التاريخ، ليحل مكانها "صراع" العقول والأفكار وتلاقحها الهادف للنهوض، كما تعلمنا  مسارات الشعوب والأمم الصاعدة... وذلك ما بقي يشغل الجواهري عقوداً، وجاهد مكافحاً بالفكر والقلم من أجل سيادته، وواضعاً كل عبقريته، وموهبته، من أجل شيوع تلك المفاهيم... وكم خشي أيضاً من سيادة الليل البهيم على البلاد ومجتمعها، محذراً ومنذ أربعينات القرن الماضي حين قال:

"أرى أفقاً بنجيع الدماء تنوّر، واختفت الأنجم..

 وجيلاً يجيء ، وجيلاً يروح، ونارا إزاءهما تضرمُ"

... وتلكم نبوءة أخرى مما يحفل به منجز الشاعر العظيم.

            ملف مرفق بصوت الجواهري على الرابط التالي : http://www.iraqhurr.org/content/article/2114871.html

 مع تحيات مركز الجواهري في براغ : www.jawahiri.com  

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كبرياء العراق في براغ
 

عدنان الأعسم           jawahiricent@yahoo.com

في العاصمة التشيكية براغ، التي أطالت الشوط من عمر الجواهري، فدعا له بالخلود، يواصل فريق من فضائية "السومرية" تصوير مواقع، وحوارات، ومحطات من يوميات الشاعر العظيم، لاستكمال متطلبات الجزء السابع من الدراما الوثائقية الفريدة، ذات الستة أجزاء: كبرياء العراق...

... ووفقاً لمخرج هذا العمل الرائد: انور الحمداني، فإن تلك الدراما الوثائقية ستتوقف عند بعض ابداع الجواهري، ومسيرة حياته الزاخرة، السياسية والثقافية والاجتماعية على مدى عقود حياته المديدة، يجسدها بشكل رئيس الفنان البارز عبد الستار البصري... إلى جانب لقاءات مباشرة من شخصيات بارزة مع معاصريه ومتابعي ابداعه، العراقيين والعرب والتشيك في بغداد وأربيل وبيروت ودمشق وبراغ...

ومما يذكر ان الجواهري العظيم قد عاش ثلاثة عقود (1961-1991) بشكل دائم ومتقطع في براغ، ونظم فيها نحو ثلاثين قصيدة، ومن أبرزها: دجلة الخير وقلبي لكردستان وفي رثاء عبد الناصر ويا نديمي ومرحباً أيها الأرق ولغة الثياب وبراغ ويا غريب الدار ويا غادة التشيك... وغيرها من الروائع السياسية والوطنية والغزلية والوجدانية...

مع تحيات مركز الجواهري في براغ : www.jawahiri.com 

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثلاثة عشر عاماً على رحيل الجواهري   
ويستعصى على الموت الخلود

 مركز الجواهري في براغ  jawahiricent@yahoo.com

في مثل هذه الايام قبل ثلاثة عشر عاما ، وفي صبيحة الأحد السابع والعشرين من تموز عام الف ٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين تحديدا  ، استنفرت وكالات أنباء ومراسلون وقنوات فضائية وغيرها من وسائل اعلام، لتبث خبراً هادراً، مؤسياً، هزّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل والألوف الألوف من الناس:

"الجواهري يرحل إلى الخلود في احدى مشافي العاصمة السورية دمشق، عن عمر يناهز المئة عام..."

... يطبق "الموت اللئيم" اذن على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين على الأقل، ابداعاً ومواهب، ثم لتروح الأحاديث والكتابات تترى بعد الخبر المفجع، عن عظمة ومجد الراحل الخالد:

- المتميز بعبقريته التي يخشى أن يجادل حولها أحد...

- السياسي الذي لم ينتم ِ لحزب، بل كان حزباً بذاته، يخوض المعارك شعراً ومواقف رائدة...

- الرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة ، بل ووسطها، مقتحماً ومتباهياً:

يا ابن الفراتين قد أصغى لك البلد

زعماً بأنك فيه الصادح الغرِدُ

-  وذلك الراحل العظيم نفسه: حامل القلم الجريء والمتحدي والذي "لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل المترف البطر"... ناشر صحف "الرأي العام" و"الجهاد" و"الثبات" و"الفرات"... ورفيقاتهن الأخريات

- منوّرٌ متميزٌ من أجل الارتقاء  على مدى عقود حياته المديدة، مؤمناً: "لثورة الفكر تاريخ يحدثنا، بأن ألف مسيح دونها صلبا"

- صاحب "يوم الشهيد" و"آمنت بالحسين" و"قلبي لكردستان" و"الغضب الخلاق" و"الفداء والدم"... شامخ، يطأ الطغاة بشسع نعل ٍ عازبا:

يتبجحون بان موجا طاغيا سدوا عليه منافذا ومساربا

خسئوا فملؤ فم الزمان قصائدي ..ابدا تجوب مشارقا ومغاربا

تستل من اظفارهم وتحط من اقدارهم وتثل مجدا كاذبا

انا حتفهم الجّ البيوت عليهم اغري الوليد بشتمهم والحاجبا

-  والجواهري ايضا وايضا: متمرد عنيد ظل طوال حياته باحثاً عن "وشك معترك أو قرب مشتجر"، كيّ "يطعم النيران باللهب"!

- مبدعٌ بلا حدود في فرائد "زوربا" و"المعري" و"سجا البحر" و"أفروديت" و"أنيتا" و"لغة الثياب" و"أيها الأرق" وأخواتهن الكثار...

- وهو قبل كل هذا وذاك: أحب الناس كل الناس، من أشرق كالشمس ومن أظلم كالماس" - و"الفتى الممراح فراج الكروب"، الذي "لم يخل من البهجة دارا"

- رائدٌ في حب وتقديس من "زُنَّ الحياة" فراح يصوغ الشعر "قلائداً لعقودهنَّ" ... و"يقتبس من وليدهن نغم القصيد"

- كالحمامة في وداعته، ومنتفض كالنسر حين يستثيره "ميتون على ما استفرغوا جمدوا"

- وهو لا غيره الذي قال ما قال، فبات الشعراء يقيسون قاماتهم على عمود قامته الشامخ:

وها هو عنده فلك يدوي..... وعند منعم قصر مشيد

يموت الخالدون بكل فج ٍ .. ويستعصي على الموت ِ الخلودُ

-  انه وباختصار: ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته "يخشى أن يروح ولم يبقِ ذكرا" ... فهل راحت قصائده- فعلا - "ملؤ فم الزمان"!! وهل ثبتت مزاعمه بأن قصيده "سيبقى ويفنى نيزك وشهاب" كما زعم ذات يوم :

ستبقى ويفنى نيزك وشهاب ، عروقٌ أبيات الدماء غضاب

لطاف كأنفاس النسيم نوافحٌ ، كريّاهُ ، صمٌ كالصخور صلاب

.... ترى هل صدق بما قال ... التاريخ وحده من انبأنا وينبئنا عن الامر ، ويا له من شاهد حق ٍ عزوفٍ عن الرياء!!

ملف صوتي ، ومقاطع بصوت الجواهري على الرابط التالي: http://origin.iraqhurr.org/author/21007.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ   www.jawahiri.com

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجواهري ... كبرياء العراق

 

د. عدنان الأعسم / براغ     jawahiricent@yahoo.com

منذ نحو عام، ونحن نتابع باهتمام حريص مسؤول، العمل الدرامي الهادف الذي تسعى لإتمامه في الأسابيع القليلة القادمة، قناة السومرية الفضائية: الجواهري ... كبرياء العراق، بمشاركة نخبة من الفنانين البارزين، وفي مقدمتهم الممثل عبد الستار البصري مجسداً شخصية الشاعر العظيم في المسلسل ذي الأجزاء السبعة...

وبحسب المصادر ذات الصلة فان العمل يتحدث عن محطات بارزة في حياة الجواهري، في النجف وبغداد ودمشق وبراغ، وقد تبناه المخرج انور الحمداني عن فكرة لمدير فضائية السومرية في أربيل، الاعلامي د. علي اكرم...

وفي الفترة القريبة الماضية نقلت العشرات من وسائل الاعلام العراقية والعربية متابعات واخباراً ولقاءات حول هذا المسلسل الدرامي الذي من المقرر ان يغطي بعضاً من مسيرة الرمز الوطني والثقافي الخالد، محمد مهدي الجواهري: شاعراً وسياسياً وصحفياً، طوال عقود مديدة، حفلت بالعديد من الوقائع والأحداث المفصلية والبارزة في حياة البلاد العراقية...

ومما نقلته وسائل الاعلام حوار مع مخرج المسلسل انور الحمداني وجاء فيه: "لقد حرصت على اختيار ممثلين وأبطال تتلاءم شخصياتهم مع أدوارهم، فإن ميزة هذا العمل أنه يجسد درامياً لأول مرة شخصية الجواهري، ويتناول صفحات مخفية من تاريخ العراق السياسي ومراحل تاريخ البلاد من العهد العثماني مروراً بالعهد الملكي وانتهاءً بالفترة الجمهورية، وعلاقة الجواهري مع الملك فيصل الأول وعبد الكريم قاسم....".

كما أضاف الفنان عبد الستار البصري: "ان المسلسل يتحدث عن الجواهري منذ نشأته، وصولا الى العوالم المتصارعة التي عاصرها... والفيلم لا يتحدث عن محاور شخصية فحسب، وانما عن اهم الاحداث العراقية التي عاصرت عمره، بدءاً من ولادته وصباه الى شبابه وكهولته وشيخوخته وحتى رحيله عام 1997... ويتضمن لقاءات للجواهري مع نخبة من شخصيات الزمن الذي عاشه، سياسية وادبية وعامة، ممن لها حضور في الحياة العراقية".

وبهذا السياق أكد رواء الجصاني رئيس مركز الجواهري في براغ، المعني منذ سنوات عديدة كما هو معروف - بوثائق وأرشيف الشاعر الخالد والتأرخة له: ان الجهود التي بذلت وتبذل لاتمام هذا المسلسل، والتي أطلعنا على بعضها خلال زيارة أخيرة إلى أربيل لهذا الغرض، تقودنا للتوقع بانتاج ابداعي حريص، متفرد في فكرته ومادته... وحتى عنوانه...

هذا ووفقاً لمدير انتاج المسلسل: انطوان بولص، فإن فريق العمل الرئيس سينتقل خلال أيام إلى براغ، العاصمة التي أقام فيها الجواهري الكبير ثلاثة عقود (1961-1991) ليستكمل فيها توثيق بعض المحطات والوقائع التاريخية ذات الصلة...

أخيراً، لابد لنا أن نتوقع، وكما هي حياة الجواهري وابداعه الاستثنائي، ان يحظى هذا العمل المتميّز باهتمام يتناسب مع "كبرياء العراق" ومن هنا يأتي كما نرى في مركز الجواهري ذلك الحرص البالغ من الفنانين والمعنيين على اتمام مسلسلهم، الأول من نوعه... وإنا لنأملُ ان يكون فاتحة لعمل، بل وأعمال أخرى، تمجّد شاعر البلاد، والأمة ورمزها المجيد.

مع تحيات مركز الجواهري في براغ    www.jawahiri.com

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجواهري عن جمهورية الرابع عشر من تموز

   رواء الجصاني       jawahiricent@yahoo.com

كما هي الحال في تأرخة الجواهري للأحداث الجسام العراقية والعربية، بل والعالمية أيضاً، والتعبير عن مواقفه ورؤاه الوجدانية والسياسية والفكرية منها، جاء موقفه، وقل مواقفه، بشأن التغيير الرئيس ، وربما الأهم في تاريخ العراق الحديث، ونعني به حركة الرابع عشر من تموز عام 1958... والتي أشعلت ثورة عارمة انهت النظام الملكي، واستبدلته بالجمهوري، الذي قيل ما قيل، ويقال، إيجاباً وسلباً حوله...

... لقد رأى الجواهري في تلكم الثورة التحررية بحسب البعض، أو الحركة العسكرية الانقلابية وفق بعض آخر، مسك ختام وطني لعقود من الحراك الشعبي والجماهيري في العراق، من أجل الحرية والازدهار، بل والتقدم بمفاهيم ذلك الزمان... وهكذا سرعان ما نظم، وفي الأيام الأولى لقيام ذلك التغيير المدوي قصيدته النونية المطولة، ومن مفتتحها:

جيشَ العراق ولم أزلْ بك مؤمنا ... وبأنك الأملُ المرجى والمنى

وبأن حلمك لن يطولَ به المدى وبأن عزمك لن يحيق به الونى

جيش العراق اليك ألف تحية، تستاف كالزهر الندي وتجتنى

حمل الفرات بها اليك نخيله، ومشى بدجلة جرفها والمنحنى

فلقد اعدت اليهما صفويهما، من بعدما غصا بأدران الخنا

ثم تلت "جيش العراق" قصائد عديدة أخرى تؤرخ للحدث، ومسيرته، وتوجه الجماهير الشعبية لاسناده وتأطير مساره، محذرة من الاضطرابات واستغلال الأمور، بما يقود لخلاف ما آمن به الجواهري من ضرورات ومباديء من أجل النهوض والارتقاء والوحدة والتلاحم، بعيداً عن العصبوية والفئوية والحزبية والعنصرية، وسواها من آفات اجتماعية ووطنية...

وفي عودة للديوان الجواهري الحاشد، نجد ثمة قصائد كثيرة في شؤون، وشجون الحدث، والأحداث التي نعنى بها في هذا التوثيق ومنها: باسم الشعب، انشودة السلام، عيد العمال العالمي، المستنصرية... وغيرها عديد.

ومن بين ما يقع تحت أيدينا بصوت الجواهري لقصائد تلكم السنوات الاستثنائية نونيّة مطولة خاطب بها شبيبة وطلبة العراق عام 1959 راح خلالها موثقاً، وحادياً، ومحرضاً لحب الوطن والدعوة لازدهاره ورقيه، ومما جاء فيها:

أزف الموعد والوعد يعنّ.. والغد الحلو لاهليه يحن ُ

والغد الحلو بنوه انتم، فاذا كان له صلب فنحن

فخرنا انا كشفناه لكم، واكتشاف الغد للاجيال فن

ثم وقع ما وقع من تنابز فانحرافات وتفرد وعسف، كما واحتراب بغيض بين التيارات الشعبية والسياسية، طال حتى الجواهري ، وهو ذو المنصبين: رئيس اتحاد الأدباء، ونقيب صحفيي البلاد، في آن واحد، فتعرض لتجاوزات وحملات اعلامية واجراءات سلطوية، وصلت حدّ اعتقاله، وإن لساعات، مما اضطره للاغتراب بعيداً عن البلاد عام 1961، هضيمة واحتجاجاً، واحترازاً من ايذاء اكبر، قد يصل حد اغتياله... ولتلك الحال تفاصيل مطولة وذات أكثر من مغزى، تناولها الجواهري في الجزء الثاني من ذكرياته الصادر عام 1991، وكذلك في قصائد عديدة، ومن بينها نونيته الأشهر دجلة الخير عام 1962 ومما جاء فيها بذلك الصدد:

يا دجلة الخير أدرى بالذي طفحت، به مجاريك من فوق الى دون

ادرى بانك من الف مضت هدرا، للآن تهزين من حكم السلاطين

تهزين ان لم تزل في الشرق شاردة من النواويس ارواح الفراعين

يا دجلة الخير كم من كنز موهبة، لديك في القمم المسحور مخزون

لعل تلك العفاريت التي احتجزت، بحملات على اكتاف دلفين

لعل يوماً عصوفاً هادراً عرماً، آت فترضيك عقباه وترضيني

وعلى أية حال، فقد ترضي هذه الايقاعات والرؤى، الموجزة ، بعضاً، أو تغضب آخر، إلا  انها سعت لكي تكون بعيدة عن العواطف ، والتي عمرها ما كانت حكما موضوعيا في تقييم الوقائع التاريخية.... كما نجتهد، وقد نصيب...

من تموزيات الجواهري ، بصوته، على الرابط ادناه :

http://origin.iraqhurr.org/content/article/2096203.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ www.jawahiri.com

  

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجواهري ... هموم ولواعج بلا حدود

   رواء الجصاني     jawahiricent@yahoo.com

   مواجهات وخصومات ولواعج بشكل شبه دائم من الحياة والمجتمع والسلوكيات والمواقف الثقافية السياسية، وغيرهن كثير، وسمت ديوان الجواهري، على مدى سبعة عقود... ونزعم ان في الغالب الأعم من قصيده الوطني والسياسي والوجداني، ثمة وقفة، أو محطة، أو بيت قصيد، يشير ويوثق لتلكم الحال، التي ما برحت ترافق الشاعر العظيم حتى أعوامه الأخيرة...

وإذ جاء العديد من قصائده مكرس بالكامل لما نحن بصدد التوثيق عنه، من لواعج وهموم عاشها، أو اعتقدها، الجواهري، حفل عديد آخر، بصراحة حيناً، أو تلميحاً احيانا اخرى، عن غدر ٍ تعرض له، أو هضيمة لحقت به، أو واقعة مؤذية مرت عليه...

 أنا عندي من الأسى جبل ... يتمشى معي وينتقلُ

أنا عندي وإن خبا أمل ... جذوة في الفؤاد تشتعل

أيه يا احبولة الفكر ... كما هفا طير ولم يطرِ

ِ... وسألت الجـواهـري ذات ليلـة من عام 1985 في بـراغ، وكان فيهـا مهموماً - كالعادة ومستفزاً من مواقف محبين وأصدقاء وخلافهم: انك لا تشبع من النقد والانتقاد والتألم والهضيمة، ولا تكفّ عن الشكوى والتخاصم والمواجهات وتلك هي اشعارك الدليل الأبلغ... فأجاب عاصفاً: وماذا يراد مني، أقل من ان أواجه عشرات التجاوزات ببضعة أبيات فحسب؟ فهل ذلك كثير على المتطاولين؟... ثم أنهى الحوار السريع، وهو يغلي، ليسمعني في اليوم التالي مطلع قصيدة جديدة أكملها بعد أيام رداً على بعض ما حسبه تجاوزاً وكان أول أبياتها:

 وقائلة أأنت تُسب جهراً ، ألست محج شبان ٍ وشيب

ألست خليفة الأدب المصفى ألست منارة البلد السليب

أيسرح شاتموك بلا حسيب، وتنبذ في العراء بلا رقيب

فيا لمؤله ٍ فذ ٍ غريبٌ ، ويا لتعاسة البلد العجيب

وكما أسلفنا، لم تكن حالات الجواهري الناقده، ولواعجه وهمومه، المعبرُ عنها في عشرات القصائد لتقف عند حدود: سياسية او اجتماعية او وجدانية... بل كان الغضب العارم يشمل أحياناً كل أهل البلاد، وهو غضب المحبين بالطبع، بهدف الاثارة الانهاض، والتحريض الشمولي العام.

             أقول اضطراراً قد صبرت على الأذى،

                   على انني لا أعرف الحر مضطرا

          وليس بحر من اذا رام غاية،

         تخوف ان ترمي به مسلكا وعرا

          وما أنت بالمعطي التمرد حقه،

      إذا كنت تخشى ان تجوع، وان تعرى

 ولغرض التأشير ليس إلا، نقول: ان الديوان العامر، ذا الأكثر من خمسة وعشرين ألف بيت، ينبئنا بأن الجواهري قد نظم ونشر تلكم القصائد الغاضبة، الباثة للهموم واللواعج منذ انطلاقته الشعرية في عشرينات القرن الماضي، ومنها: الليل والشاعر، الشاعر المقبور، شكوى وآمال... وهكذا دامت الحال عقوداً وعقود، حتى التسعينات، ولربما حتى قبيل رحيله عام 1997 بأعوام قليلة، ونستشهد حول ذلك بقصائده "ماذا أغني" (1981) و"يا ابن الثمانين" (1982) و"صاح قلها ولا تخف (1987).

بماذا يخوفني الأرذلون ، وممن تخاف صلال الفلا

أيسلب منها نعيم الهجير، ونفح الرمال وبذخ العرا

بلى ! ان عندي خوف الشجاع ، وطيش الحليم، وموت الردى

متى شئت أنضجت نضج الشواء، جلوداً تعاصت فما تشتوى

أخيراً دعونا نثبت هنا ان ثمة الكثير مما يُفترض، بل ويجب ان يرصد ويوثق، عن هموم ولواعج الجواهري، ليس بدوافع التأرخة للشاعر الكبير فقط، بل لأن الأمر يعني تأرخة لواقع مجتمع وبلاد وشخصيات وإطارات سياسية وثقافية... وما بينها كثير ومتعدد...

مقاطع صوتية  من بعض قصائده  اعلاه.. على الرابط التالي

http://www.iraqhurr.org/content/article/2102401.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ   www.jawahiri.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجواهري في نقد التخلف وتبجيل التنوير

رواء الجصاني   
jawahiricent@yahoo.com

لم تفت الجواهري مناسبة أو واقعة تاريخية، أو مهمة، بحسب تصوراته ورؤاه، إلا ووثّق لها، واغتنمها فرصة اضافية للبوح بما تحمله عبقريته من تنبؤات، واجتهادات، خاصة وعامة، ارضت المعـنيين، أو أرقتهـم، فما ذلك بذي شأن لدى الشاعر الخالد... وكما لخص د. علي جواد الطاهر، فأجاد، حين قال: ان الجواهري يقول كلمته ويمشي تاركاً للآخرين ما يحلو، أو لا يحلو لهم من تفاسير وردود أفعال...

وهكذا راح الديوان العامر يحفل بفرائد كثيرة ٍ ظاهرها العام احتفاء، أو اجلال أو تكريم... وكل ذلك صحيح، ولكن الأهم ان يبث القصيد أيضاً وأيضاً: الموقف الجواهري... وإذ نعنى بدالية جمال الدين الأفغاني في هذه الحلقة، فلأننا نزعم كونها واحدة بارزة  مما نريد الاستشهاد به في هذا السياق...

ففي عام 1944 يُحتفى بمرور رفاة العلامة، والمفكر الرائد النهضوي الكبير، جمال الدين الأفغاني من مصر، إلى أفغانستان، ويُنظم لهذا الحدث حفل خاص في الحضرة الكيلانية ببغداد، ويعتلي فيه الجواهري المنبر: شاهداً ومنوراً ومخلداً ليقول:

هويتَ بنصره الحق السُهادا ... فلولا الموت لم تطق الرقادا

ولولا الموت لم تترك جهاداً ... فللت به الطغاة ولا جلادا

فزد بالفكر في خَلَد الليالي ... وجُل في الكون رأياً مستعادا

وكن بالصمت أبلغ منك نطقاً ... وأورى في محاججة زنادا

فان الموت اقصر قيد باع ... بان يغتال فكراً واعتقادا

ثم تتوقف القصيدة ذات النيف والسبعين بيتاً لتتحدث عن بعض محطات فلسفية وحياتية في مسيرة الأفغاني الزاهرة، ويقيناً باعتقادنا انها ترمز في كثير منها لما تبناه الجواهري وآمن به من مباديء وقيم وأفكار، وخاض غمارها بصلابة وشموخ.

            جمال الدين، ياروحاً علياً ... تنزل بالرسالة ثم عاد

تجشمت المهالك في عَسوف ، تجشمه سواك فما استقادا

طريق الخالدين فمن تحامى، مصايرهم، تحاماه، وحادا

شققت فجاجة لم تخشَ تيهاً ... ومذئبة، وليلاً، وانفرادا

لانك حامل ما لا يُوازى ... بقوته: العقيدة والفؤادا

ولما كنت كالفجر انبلاجاً "وكالعنقاء تأبى ان تصادا"

مشيت بقلب ذي لبد ٍ هصور "تعاند من تريد له العنادا"

ولم تنزل على اهواء طاغ ، ولا عما تريد لمن أرادا

وكما هي حال سابقاته، ولاحقاته، يخاطب الجواهري صاحبه الأفغاني في هذه القصيدة، وبمثلما خاطب المعري وطه حسين والمتنبي واقرانهم من رواد الفكر والانهاض والتنوير... فوصف، وماثل، وانتقد، ووجه وكل ذلك في خلاصات شاعرة، خلدت قيماً، ورموزاً، وأشاعت للكثير من الوقائع والأحداث التاريخية الاهم ، داعية لتبنيها في معاصرة راهنة، بل وحتى باستشراف لما هو قادم قريب في حاضره، أو بعيد في مداه...

جمال الدين كنت وكان شرق ... وكانت شرعة تهب الجهادا

وكانت حينه في ظل سيف ... حمى الفرد الذمار به وذادا

وايمان يقود الناس طوعاً، الى الغمرات فتوى واجتهادا

مشت خمسون بعدك مرخيات ٍ .. اعنتها، هجاناً لا جيادا

محملة وسوقاً من فجور ٍ ، وشامخة كمحصنة ٍ تهادى

تحورت السياسة عن مداها... إلى أنأى مدىً ، وأقل زادا

وبات الشرق ليلته سليماً، على حالين ما أختلفا مفادا

ولطفت الابادة فهو حرٌ ... بأي يد يُفضل ان يُبادا

فهل صدق الجواهري بما وثّق له ، وتنبأ به ، وقال عنه ... دعونا نترك جواب ذلك، مرة أخرى، ودائماً، للتاريخ وللأجيال...

للاستماع الى مقاطع القصيدة الجواهرية اعلاه، بصوته ، يُتابع الرابط ادناه

http://origin.iraqhurr.org/content/article/2089816.html

www.jawahiri.com مع تمنيات مركز الجواهري 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أيضاً عن خمسينات الجواهري والعراق
  

 رواء الجصاني   jawahiricent@yahoo.com

توقفنا في كتابة اخيرة عند بعض محطات ابداعية وتاريخية جواهرية خلال النصف الأول من خمسينات القرن الماضي، وهي خمسينات الشاعر الخالد في آن، كما سبق القول... وها نحن نواصل في هذه الحلقة لنعنى بتأرخة بعض ٍآخر من فرائد النصف الثاني من ذلك العقد، فنتوقف عند قصيدة "قال، وقلت" المنظومة عام 1955، وهي حوار رمزي أو حقيقي لا ندري - يردّ فيه الجواهري بحزم على بعض منتقديه، ومزاعمهم بتغيّر تقييماته، ومواقفه، من ذلك الحدث ِ، أو تلك الحالة، وغيرها... ومن ابياتها:

قال لله أنتم الشعراء ، عدد الرمل عندكم أهواءُ

أمس والشعب كله معجزات لك ، واليوم كله أسواءُ

قلت مهلاً يا صاحبي ، ظلمات الليل في عين حالم أضواءُ

أرأيت الكواز أنفس ما يملك طين خبيث وماءُ

صانعا منه ألف شكل ٍ جراراً، قائلاً في جراره ما يشاءُ

يتغنى بـ "كوزه" ... وكان الكوز في الحسن، كوكب وضاءُ

وكذا كل خالق يتبنى ما ترضى، وهكذا الشعراءُ

... وفي استعراض توثيقي للديوان العامر، نجد أن الجواهري قد نشر في عام 1955 أيضاً، نونية وجدانية، فلسفية ، تتعدى أبياتها المئة، نظمت حينما نزل ضيفاً في مدينة علي الغربي "عند راعية غنم تدعى أم عوف في حماد من الأرض، ولقي منها كرماً وحسن ضيافة" بحسب مقدمة القصيدة ... ومما جاء فيها:

يا أم عوف وكاد الحلم يَسلبنا، خير الطباع، وكاد العقل يردينا

خمسون زمت مليئات حقائبها، من التجاريب بعناها بعشرينا

يا أم عوف وما كنا صيارفة في ما نحب، وما كنا مرابينا

لم ندر سوق تجار في عواطفهم، ومشترين موادات ، وشارينا

يا أم عوف ولا تغررك بارقة منا، ولا زائف من قول مطرينا

انا اتيناك من ارضٍ ملائكها ، بالعهر ترجم او ترضي الشياطينا

وفي عام 1956 ينظم الجواهري قصائد عديدة أخرى ومنها: "الأرض والفقر" التنويرية، وفي تحية الثورة الجزائرية ، و"خلفت غاشية الخنوع" التي أبّن فيها شهيد الجيش السوري عدنان المالكي، وقد حملت بشدة على سلطة العهد الملكي في العراق آنذاك، مما اضطر الجواهري بسببها، البقاء، لاجئاً سياسياً في دمشق، ولنحو عامين.

خلفتُ غاشية الخنوع ورائي وأتيت أقبس جمرة الشهداءِ

خلفتها وأتيت يعتصر الأسى قلبي، وينتصب الكفاح إزائي

أنا لا أرى العصماء غير عقيدة، منسابة ٍ في فكرة عصماء

هذا أنا عظم الضحية ريشتي، ابدأ ولفح دمائها اضوائي

حاسبت نفسي والاناة تردها، في معرض التصريح للايماء

ماذا يميزك والسكوت قسيمة عن خانع ٍ ومهادن ٍ ومرائي

خلي النقاط على الحروف وأوغلي في الجهر ما وسعت حروف هجاء

ما انت اذ لا تصدعين فواحشاً، إلا كراضية عن الفحشاء

أما في عام 1957 فنرصد للجواهري جديداً آخر ومن بينه في حفل احياء الذكرى الثالثة لمصرع المالكي بدمشق، ذات البيت الأشهر:

يا سادتي ، ان بعض العتبِ منبهة ٌ

لغافلين ، وبعض الشعر ، إشعار

أنا العراق لساني قلبه ، ودمي فراته ،وكياني منه اشطارُ

وكذلك قصيدة "الناقدون" التي حمل فيها شاعرنا على نماذج من "نقاد الأدب" وأخرى بعنوان "وحيّ الموقد" تحمل الكثير من الفلسفة والمواقف والاصرار والشموخ، ومنها حين يحاور زوجته عن اللهيب والنار ورؤاه عنهما:

انت قد اوحتك شعلتها ، ان توقي سوء منقلبِ

وانا يوحي اليّ بها، ان تقحمني ، ولا تهب ِ

قد حببتُ النارَ من صعد ٍ وأثرتُ النار عن صببِ

ورأيت "الوغد" يُشعلها لا لشيطان .. ولا لنبي

يجتلي بالنور يسكبُه وهَجَ الألقاب والرُتبِ

ويرى في بؤس فحمتها بهرجات "الماس" .. والذهبِ

انتِ خير منهم ، سكني تقتُلين الخوف بالهربِ

وأنا أزكاكُمُ أرباً أستشفُّ "الخيرَ" في العطب

أُشعلُ "النيران..!" لا رغباً ، وأُصاليها بلا رَهَبِ

غيرَ علم ٍ .. أنها سبب لحياةٍ .. أيما سبب

وإلى جانب كل هذا وذاك من أشعار خمسينية جرى التطرق إليها، ثمة مقطوعات وفرائد أخرى في السياسة، وحب الحياة والجمال، وفي الوجدانيات وغيرها... أما عن قصائد الجواهري بعد حركة الرابع عشر من تموز العسكرية التي أنهت النظام الملكي في العراق عام 1958... فلها، وعنها وقفات خاصة في رؤى وايقاعات قادمة.

للاستماع الى بعض قصائد الجواهري اعلاه ،يُتابع الرابط التالي  

http://origin.iraqhurr.org/content/article/2080584.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ           www,jawahiri,com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في خمسينات الجواهري والعراق

 

 رواء الجصاني     jawahiricent@yahoo.com  

تلوح خمسينات القرن الماضي وفيها ما فيها من تداعيات سياسية وفورات فكرية ، ومعها يرسخ الجواهري تربّعه على عرش الشعر العربي، محفوفاً بقصائد الأربعينات التي ذاع صيتها في البلاد وخارجها، مع كل ما رافقها من مواقف  واجتهادات ورؤى متباينة في الخاص والعام ... ولا نظن ان ثمة أفضلَ مَنْ يوثق  لإبداع وتاريخ الشاعر الكبير في تلكم السنوات التي نريد اشاعة جوانب من  خلاصاتها ، والتوثيق لها، سوى قصائده ذاتها، الوجدانية منها، أو الوطنية وغيرها...

ففي مطلع الخمسينات الماضية، وهي خمسينات الجواهري في آن كما هو معروف، يعلمنا قصيد الشاعر اغترابه إلى مصر ، غاضبا ومتمردا على عادته ، بضيافة د. طه حسين، والحكومة المصرية، بعد مشاركته في مؤتمر ثقافي عربي عقد في القاهرة أوائل عام 1951 بقصيدة عنوانها "إلى الشعب المصري" وجاء فيها:

يا مصر تستبقُ الدهور وتعثرُ والنيل يزخر والمسلة تُزهرُ

وبنوك والتاريخ في قصبيهما يتسابقان فيصهرون ويصهرُ

والأرض يُنقِذ من عَماية اهلها نور يرف على ثراك وينشرُ

هذا الصعيد مشت عليه مواكب ، للدهر مثقلة الخطى، تتبخترُ

يصل الحضارة بالحضارة ما بنى ، فيك المعزُ وما دحا الاسكندرُ

ثم يعلمنا الديوان العامر أيضاً عن قصائد أخرى للجواهري في سنوات الخمسينات الأولى، ومن بينها في تأبين الزعيم اللبناني عبد الحميد كرامي، ذات المطلع الهادر حتى اليوم:

باق ٍ وأعمار الطغاة قصارُ ... من سفر مجدك عاطر موارُ

المجد ان يحميك مجدك وحده ، في الناس ولا شرط ولا أنصارُ

وقد كان من تداعيات تلك الرائية التنويرية ، التى تناولت شؤونا واهتمامات عراقية ولبنانية وعربية ،أن قررت سلطات  بيروت  اعتبار الجواهري  غير مرغوب به، وإبعاده عن البلاد خلال ساعات معدودات، بعد ان اعتبرت مضامين القصيدة: تحريضية ومثيرة ضد النظام القائم وبعض رموزه السياسيةانذاك ...

كما يجد المتابع ضمن سجل الجواهري الشعري في تلك الفترة قصائد عن الحرب الكورية وأخرى في الذكرى الخامسة لرحيل صديقه الشاعر معروف الرصافي، ثم عصماءه الوجـدانية "تعالى المجد يا قفص العظام" المهداة لوالدته عشية اغترابه عن العراق... وكذلك رائية ً مطولة بمناسة انعقاد مؤتمر المحامين العرب عام 1951 ببغداد، ومن ابيات قصيدها :

سلام على جاعلين الحتوف جسرا الى الموكب العابرِ

سلام على مثقل بالحديد  ، ويشمخ كالقائد الظافرِ

كأن القيود على معصميه ...مفاتيح مستقبل زاهرِ

فضلاً عن "تنويمة الجياع" الشهيرة...

نامي جياع الشعب نامي حرستك آلهة الطعام ِ

نامي فإن لم تشبعي من يقطة ٍ ، فمن المنام ِ

نامي على زبد الوعود يداف في عسل الكلام

نامي تزرك عرائس الاحلام في جنح الظلام

تتنوري قرص الرغيف كدورة البدر التمامِِ

وبحسب جحفل الديوان الحافل لا غير، يُنظم الجواهري عام 1952 قصائد عديدة أخرى ومن بينها "اللاجئة في العيد" ذات المئة والعشرين بيتاً، و"آخا ودي" في رثاء ابن عمه العلامة محمد باقر الشيخ علي صاحب الجواهر، وثالثة بعنوان "ظلام" نظمت اثر الاحتجاز في معتقل ابو غريب مع عدد من الأقطاب السياسيين بعيّد أحداث الحركة العراقية الشعبية الشهيرة بانتفاضة تشرين...

... وفي عام 1953 يتعرض الجواهري لحملة اعلامية من مخالفيه السياسيين وأعوانهم وصحفهم، فيرد بقسوة واعتداد في قصيدة "كما يستكلب الذيب" ومن أبياتها الغاضبة :

مشت إليّ بعوضات تلدغني ، وهل يحس دبيب النمل يعسوبُ

يبقى القصيدُ لظىً والأرضُ مشربة ً ، دماً ، وتذري مع الريح الأكاذيبُ

وعلى ذات الحال، يستمر الجواهري، الشاعر والسياسي والصحفي، في ابداعه ومواقفه مطالع الخمسينات الماضية، بين قصائد ثائرة هنا، ومقالات وكتابات ناقدة هناك، إلى جانب المشاركات السياسية المعارضة... ولتستمر تلكم الحال، ولربما بكثافة أكبر في السنوات اللاحقة، وذلك ما سيكون عناية كتابة قادمة

للاستماع الى بعض المقاطع الشعرية اعلاه بصوت الجواهري ، يتابع الرابط التالي

   http://origin.iraqhurr.org/content/article/2076426.html

                        مع تحيات مركز الجواهري في براغ : www,jawahiri,com       

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجواهري الكبير في المَقامة اليونانية
 

    رواء الجصاني  Jawahiricent@yahoo.com

ما بين براغ التي أطالت الشوط من عمره... وبغداد "دجلة الخير" والأزمات والمرارة في آن، حطّ الجواهري ركابه في النصف الثاني من السبعينات الماضية، في أثينا، مستأجراً شقيقةً متواضعة دون حدود، ولكن أهم ما عندها من مغريات وقوعها على ساحل البحر مباشرة، وذلك هو الأحب لدى شاعرنا التوّاق والطامح لمزيد من الإيحاء...

 ... ومن يعرف الجواهري عن قرب، يعرف انه عاشق أبدي للأنهر والبحار، سواحل وتدفقاً وضفافاً، وعلى مدى عقود حياته المديدة: وتلكم هي بارزة الشواهد ذات الصلة في ديوانه عن رافدي العراق، ونيل القاهرة، وبردى دمشق، وسواحل ابي ظبي، والجزائر وطنجة، وفارنا، وغيرها، وفي روائع وصفت واستلهمت وأوحت بما لا يُزاحم على ما نظن...

سجا البحر وانداحت ضفافٌ ندية ولوح رضراض الحصى والجنادل
وفكت عرى عن موجة لصق موجة تماسك فيما بينها كالسلاسل
وسدت كوىً ظلت تسد خصاصها عيون ضباء أو عيون مطافل ِ
ولفّ الدجى في مُستجد غلالة ٍ سوى ما تردى قبلها من غلائل
سوى ما تردى من مفاتن سحرة وما جر عيهاً من ذيول الأصائلِ
وما حمل "الاصباح" شرقاً إلى الضحى من الورق النَديان أشهى الرسائل

  ....وفي مَقامة الجواهري، اليونانية، التي ندور حولها في هذه الإيقاعات والرؤى، نؤشر إلى ان اقامته في أثينا لم تكن إلا لفترات قصيرة ومتقطعة، اغتراباً عن الأحداث، وركون إلى النفس، وتمعناً في ما يمتليء به فكر الشاعر الرمز: فلسفة في الحياة ووقائعها، والمشاغل الانسانية العامة.... وهناك وفي تلك العوالم، ولدت قصيدته الباهرة عام 1977 "سجا البحر" التي اورد اعلاه  مطلعها الحميم ... وقد جاءت تستلهم من البحر، وتترجم عنه المزيد من الموحيات والعبر

وهيمن صمت، فاستكنت حمائم، وقر على الأغصان شدو البلابل
تثاءب املود، ولمت كمائم ودب فتور في عروق الخمائل
وبدل لون من شتيت مخالف لما يتراءى او شبيه مماثل
كأن الدنى ملت تدني شخوصها بوضح السنا فاستبدلت بالمخايل
رؤى تستبيح الجن في صبواتها، بها ما بنى إنسيها من هياكل

ثم تتنقل اللامية الصوفية ذات الثمانية والستين بيتاً، لتحدثنا عما جال في ذهن الجواهري من إلهام ومقارنات مع "صاحبه" البحر الهاديء الهادر، والعريق الشبوبُ ، والشامخ - المتباسط... وان جاءت الحال مناجاة ووصفاً ومناغاة.

تنفس عميقاً أيها الشيخ لم يهن يجري على فرط المدى المتطاول
ولم ينسهِ التياهُ من جبروته عناق الشواطي واحتضان الجداول
وما زاده إلا شموخاً وعزة تخطي شعوب ٍ فوقه وقبائل
عبدتك صوفياً يدين ضميره بما ذر فيه من قرون الدخائل
وعاطيتك النجوى معاطاة راهب ٍ مصيخ إلى همس من الغيب نازل
وناغاك قيثاري فلم تلف نغمتي نشازاً ولا لحني عليك بواغل ِ


... كما نوثق في هذا السياق ان الجواهري قد كتب خلال فترة مقامته اليونانية مقطوعة أخرى، تحية للطلبة العراقيين الذين التقوه في أثينا، عام 1979 وكانت بعنوان: يا فتية الوطن الحبيب. وقد انقطع أمد تلك الإقامة لأسباب مالية، ليس إلا، إذ لم يستطع شاعر الأمة العراقية أن يوفر متطلبات إيجار الشقة الزهيد، فيما كانت البلاد تتراكم فيها ثروات الفورة النفطية آنذاك والبقية معروفة على ما نظن...

...للاستماع الى القصيدة اعلاه ، يُتابع الرابط التالي

http://www.iraqhurr.org/content/article/2069391.html

مع تحيات مركز الجواهري الثقافي في براغ   www.jawahiri.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رؤيتان عن الجواهري

 رواء الجصاني  jawahiricent@yahoo.com

     منذ عقود مديدة ، وما برح النقاد ونخب المثقفين عموماً، يلاحقون الجواهري: حياة ونبوغاً وشعراً وإبداعاً... في مقالات وبحوث وكتب وندوات وبرامج، وغيرها ... وهناك دائماً الجديد في قراءات لقصائد الشاعر ورموزياتها، أو الوقفات عند صياغات لغته وبنيويتها وبلاغتها، وبين هذا وذاك محطات تاريخية في وطنياته ودراسات نقدية وانتقادية بموضوعية، أو حتى بدونها أحياناً... ولعله استبق ذلك الأمر فقال احترازاً عام 1962:

جبْ أربعَ النقدِ واسألْ عن ملامحِها

فهل ترى من نبيغٍ غيرِ مطعونِ

ومن المجهد حقاً ان يُستطاع الايجاز ولو المكثف لذلك الكم المتراكم مما كتب عن الجواهري، أو قيل حوله، خاصة ونحن محددون بدقائق معدودات، كما هي الحال التي نحن فيها... ومع ذلك، دعونا نجتهد في إلتقاط سطور ليس إلا، من دراستين متخصصتين، نختارهما من خضم غزير تناول منجز الجواهري، وبحثت فيه شخصيات عراقية وعربية لامعة الكفاءة والعطاء...

... وأولى المقاطع المختارة من تينك الدراستين التي نعني، هي للناقد والباحث الفلسطيني المبدع: جبرا ابراهيم جبرا، في أواخر الستينات بعنوان "الجواهري، الشاعر والحاكم والمدينة" ومما جاء فيها:

"... الجواهري إذ يستعلي، يرمز إلى نفسه بالأسد أو النسر أو النجم اللامع... ولكنه يصف نفسه أيضاً بالصلّ، ويقف مع الناس في معظم شعره وقفة الشريك، يزهو بهم، ويتفاخر بالفقر، ويتباهى بأنه جزء من تلك الجماهير التي تبحث عن الخلاص من الظلم".

بماذا يخوفني الأرذلون، وممن تخاف صلال الفلا

أيسلب منها نعيم الهجير ونفح الرمال وبذخ العرا

بلى ان عندي خوف الشجاع، وطيش الحليم وموت الردى

متى شئت أنضجت نضج الشواء، جلوداً تعاصت فما تشتوى

وابقيت من ميسمي في الجباه وشماً كوشم بنات الهوى

بحيث يقال اذا ما بدا الصليّ بها، قيل وغدٌ بدا

وحيث يعيّر أبناؤه ، بأن لهم والداً مثل ذا

أما المجتزئ الثاني الذي نشيعه هنا فهو من دراسة للكاتب والمثقف اللبناني المعروف محمد دكروب، كتبها عام 1997 بعنوان "جواهريات في الذاكرة" ومما احتوته:

"ان الابداع، لا الشكل، هو الأساس... والمبدع الأصيل كما الجواهري هو الذي يطوّع الشكل القديم لطابع العصر، وضرورات إيقاعه.. وكذلك لضرورات معارك الحرية التي يخوضها أناس معاصرون، رأى فيهم الجواهري مادة شعره وطاقته الروحية... ورأوا، هم، في شعر الجواهري سلاحاً لهم، ليس فقط من حيث هو أوزان وقوافٍ وإيقاعات وشحنات غضب ودعوة حرية، بل من حيث هو، إلى هذا كله، شعر بالأساس".

نامي جياع الشعب نامي، النوم من نعم السلام

نامي فان صلاح امر فاسدٍ في ان تنامي

نامي على جور الطغاة ، ولا تهزي بالنظام

وقعي على البلوى كما وقع الحسام على الحسام

سبحان ربك صورة هي والخطوب على انسجام

نامي جياع الشعب نامي، النوم ارعى للذمام

نامي جياع الشعب لا تعني بسقط من كلامي

نامي اليك تحيتي ، وعليك نائمةً ، سلامي

أخيراً، نرى حاجة للتأكيد مجدداً، ان ما اخترناه لجبرا أو دكروب يأتي أنموذجين وحسب، لكمٍ زاخرٍ من كتابات ومواقف ثرة ومعطاء عن الجواهري، متعدد الإبداع الانساني،على ما يثبته أصحاب رؤى ومحبون لا يحصون، وذلك موضع وقفات أخرى قادمة ،عند بعضه المتميز على الأقل...

للمزيد ، وللاستماع الى المقاطع الشعرية اعلاه بصوت الجواهري ، يُتابعُ الرابط التاليhttp://origin.iraqhurr.org/content/article/2062852.html

مع تحيات مركز الجواهري        www.jawahiri.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن
بعض عراقيات الجواهري.. ووطنياته

 
    رواء الجصاني  jawahiricent@yahoo.com 

 نشرنا في كتابات سابقة قريبة لمحات من ذلك  التنوع الغزير الذي شمله قصيد الجواهري ذي الأكثر من 25 ألف بيت، وتوزعه على مختلف الأغراض الشعرية المعروفة، ولربما غير المعروفة أيضاً، كما نجتهد، وقد نصيب... وفي هذه المرة  نواصل فنعنى وبإيجاز مقتضب عن بعض ما جاء به ديوان الشاعر، الوطني والسياسي، والتفرعات والتشابكات ذات الصلة...

...نقول تفرعاتٍ وتشابكاتٍ ونرمز بذلك إلى القصائد الجواهرية المباشرة في عناوينها، ومناسباتها، أو تلكم التي راحت تعالج هذا الحدث السياسي، أو تتبنى ذلك الموقف الوطني، وما بينهما من قراءات في بعض الوقائع، وصناعها من زعماء وغيرهم... عراقيين، وعربا، وحتى عالميين... وعلى سبيل المثال، بل التأشير فحسب، دعونا نختار سريعاً لقطات مما هو متوفر لدينا بصوت شاعرنا عن بعض ما قد يناسب ما نحن بصدد التوثيق له...

ففي قصيدة هاشم الوتري المنظومة عام 1949 ذات البيت الشهير: أنا حتفهم ألج البيوت عليهم، أغري الوليد بشتمهم والحاجبا... راح الجواهري ينتقد الحكام آنذاك، وممارساتهم وسياساتهم التي عدّها نابية، تتطلب الفضح والادانة والتحريض ضدها:

انبيك عن شر الطغام مفاجراً ومفاخراً ومكاسبا

والشاربين دم الشباب لأنه، لو نال من دمهم لكان الشاربا

والحاقدين على البلاد لانها ، حقرتهم حقر السليب السالبا

ولأنها ابداً تدوس افاعياً منهم، تمج سمومها وعقاربا

ومن بين المتوفر أيضاً، نختار هذه المرة، بضعة أبيات منتقاة مما كتبه الجواهري عام (1947) في قصيدة "تنويمة الجياع" كاشفاً حقائق ووقائع مؤسية، وداعياً الجماهير للانتفاض من اجل حقوقها، وكل ذلك من خلال سخرية لاذعة قل نظيرها، في الطريقة والشكل والمضمون:

نامي جياع الشعب نامي حرستك آلهة الطعام

نامي فان لم تشبعي من يقظة فمن المنام

نامي على زبد الوعود يُداف في عسل الكلام

نامي تزرك عرائس الاحلام في جنح الظلام

تتنوري قرص الرغيف كدورة البدر التمام

نامي تصحي، نعمَ نومُ المرءِ في الكرب ِ الجسامٍ

... كما نواصل ثالثة لنتوقف عند أبيات من قصيدة أزف الموعد الجواهرية، التي خاطب فيها عام 1959 طلبة وشبيبة البلاد ودعاهم لمزيد من الهمّة والاستنهاض، والبذل من أجل ان تتوحد الصفوف، ويعلو بناء الوطن المشترك.

ازف الموعد والوعد يعن ، والغد الحلو لأهليه يحنُ

والغد الحلو بنوه انتم، فاذا كان له صلب فنحن

فخرنا انا كشفناه لكم، واكتشاف الغد للأجيال فنُّ

... ختاماً، لابد من التنويه دائماً بأن ما سبقت الإشارة إليه، ويُستمع اليه ، محطات  محطات ليس الا في مساحات ومضامير متسعة الأبعاد ودون مدى... في سفر ٍ عراقي ٍ عريق.

للاستماع الى مقاطع الاختيارات اعلاه ، بصوت الجواهري ، يُتابع الرابط التالي

http://www.iraqhurr.org/content/article/2056127.html

             مع تحيات مركز الجواهري في براغ                              www.jawahiri.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواهري بلا حدود

   رواء الجصاني   jawahiricent@yahoo.com

أجهد الجواهريّ مجايليه، ونقاده ودارسي شعره ومنجزه الإبداعي، واتعبهم  في القدرة على نسبه إلى إطار سياسي أو اجتماعي محدد، أو وسمه بهذه الخصوصية أو تلك بشكل مطلق، لكثرة ما اتخذ من مواقف، وبيّن من آراء، وأجتهد في أخرى... ونرى ان تلكم الحال لم تأتِ لرغبة أو رؤى طارئة، بل استندت إلى فلسفة وقناعات، طالما تبناها الشاعر المتفرد، وآمن بها ووثّقها في قصائده وكتاباته المتواترة على امتداد أكثر من سبعة عقود... ومن بينها ذلك البيت المعبّر:                وزعتُ جسمي في الجسومٍ ، ومهجتي بين القلوبٍ ...

... ويا طالما بقي الجواهري يصرّح، ويصدح في حبه للحياة والجمال، منذ فتوته، وحتى شيخوخته، مروراً بمرحلتي الشباب والكهولة، وفي الكثير من القصائد ذات الأكثر من محور، وأسلوب وشكل... قائلاً في بعض الأحايين ما لا يقال في مثل مجتمعاتنا العربية، مما عرضه لانتقادات، أو تطاول حاسدين، وظلامية آخرين...

لمّي لهاتيك لمّا، وقربي الشفتينٍ

لما على جمرتين ... بالموت ملمومتيّن

يا حلوة المشربين ... من أين كان وأيّنٍ

من صنعٍ كذب وميّنِ ، سموهما زهرتينٍ

... ثم وعلى حين غرة كما يقولون، وفي انتقالة جواهرية متفردة ، يُبهر المتابعون حينما تنقلهم الى عوالم اخرى، القصيدة العينية الأشهر عام 1940 في مأثرة البطولة والفداء الحسينية، وعاشورائها، وواقعتها ودروسها وخلاصاتها، وفيها من الموحيات والأحاسيس والمشاعر ما لم يستطعه، حتى الأكثر مولاةً وتعاطفاً وإيماناً بتلك المأثرة التاريخية الهادرة بالمباديء والمثل الجليلة...

فداء لمثواك من مضجع، تنور بالأبلج الأروعٍِ

ورعياً ليومك يوم الطفوف، وسعياً لأرضك من مصرعٍ

تعاليت من مفزعٍ للحتوف، وبورك قبرك من مفزعِِ

وما وقفتنا عند الحالتين السابقتين، سوى إنموذجين ليس إلا من فضاءات رحبة مديدة داح وتنقل فيها الجواهري دون حدود... وهكذا راحت حاله في الوصف، والفلسفة والتنوير والتأرخة والمديح والهجاء وما إلى ذلك كثير، ومن بينه الرثاء الأليم، كما تعلمنا، وعلى سبيل المثال أيضاً لا الحصر، داليته في وداع شريكة حياته الأولى، مناهل (أم فرات) عام 1933:

حييت ام فرات ٍ ان والدة، بمثل ما انجبت تكنى بما تلدُ

تحية لم اجد من بث لاعجها بُداً ، وان قام سداً بيننا اللحد

بالروح ردي عليها انها صلة .. بين المحبين ، ماذا ينفع الجسد

مدي إلي يداً ، تمدد اليك يدُ ... لابد في العيش او في الموت نتحدُ

أما بشأن القصائد الجواهرية العراقية  الوطنية ، فلها، وعنها حديث يطول ويطول، علّنا نستطيع أن نوجز عنه في كتابات قريبة قادمة ...

المزيد في الملف الصوتي على الربط ادناه

http://origin.iraqhurr.org/content/article/2049712.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ  www.jawahiri.com

        ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من مكاشفات الجواهري ..وثوابته

الجواهري في مدارات تأمل

       رواء الجصاني    Jawahiricent@yahoo.com

 منذ بدايات انطلاقاته الابداعية، باح الجواهري بمواقفه النقدية، والانتقادية، للأفكار والسلوكيات الاجتماعية البائدة، وللأعراف والتقاليد الموروثة، والمورثةُ دون تمحيص، او تثقيف... وقد ظلّ الشاعر الخالد على تلكم الحال حتى سنواته الأخيرة: غاضباً، متمرداً، عنيفاً، داعياً للتنوير والنهوض والارتقاء... وتجاوز ما بلى من مفاهيم عافها الزمان.

ويجد المتابع، الجَهود، مثابرةً واعيةً، وشبه دائمة على هذه الطريق في منجز الجواهري الشعري الثري، والنثري المتميز، لمئات الحالات التي تحدثت عنها، ووثقتها قصائد تترى على مدى أكثر من سبعة عقود... شخصتها ودانتها عبر رؤى واستشهادات وفلسفة واضحة ومباشرة...

... وفي العديد من الوقائع التي نحاول العناية بها في هذا السياق، يجمع الجواهري رؤاه ويشيعها بشمولية واضحة، وان تبدت الصورة، وللوهلة الأولى انها شؤون شخصية وخاصة... غير ان قراءات متأنية، نابهة لما زعمه الشاعر، وادعاه عن ذاته، تكشف بما لا يقبل اللبس، انه يعالج من خلال ذلك، شجوناً وقضايا اجتماعية ووطنية عامة، تخص ظواهر ذات أكثر من مغزى...

... وقصيدة "المُحرّقة" المنشورة عام 1931، نموذج بارز لما نحن بصدد التوثيق له، والتأكيد عليه... خاصة انها نظمت والجواهري كان في مطلع شبابه، وانطلاقته الابداعية، والرموزية: 

     أحاول خرقاً في الحياة، وما اجرا ..وآسف ان أمضي، ولم ابق ِ لي ذكرا

ويؤلمني فرط افتكاري بأنني ، سأذهب لا نفعاً جَلبت ولا ضُرا

مضت حججٌ عشر ونفسي كأنها، من الغيظ سيلُ، سُد في وجهه المجرى

وقد ابقت البلوى على الوجه طابعاً، وخلفت الشحناء في كبدي نغرا

الم ترني من فرط شكٍ وريبةٍ ، أري الناسَ ، حتى صاحبي، نظراً شزرا

... لقد جاءت القصيدة هذه اثر ظروف قاسية مرت على صاحبها المبتلى في أواخر العشرينات الماضية، والمعروفة دوافعها وجذورها الزائفة واللئيمة في آن... وقد مرّ عليها الشاعر الناهض، وتجاوزها بكل قدرة وشموخ ، وكما بينت الأعوام والعقود اللاحقة، إذ انكفأ الموتورون والجهلة، والظلاميون بينما راح شأن الجواهري يعلو، متربعاً عرش الابداع ودوح الوطنية والانسانية...

... وإذ تبدأ القصيدة "المُحرّقة" بملموسيات ونبرات ذاتية خالصة، تنطلق لاحقاً في وصف الحال، والدفاع عن النفس، والانتقاد، وحتى مرحلة الادانة التالية... وربما قرار الحكم، وكل ذلك في مرافعة شعرية شاملة أعدها الجواهري بحذق نابغ ومهارة مصطفاة. 

أقول اضطراراً: قد صبرت على الأذى، على انني لا أعرف الحر مضطرا

           وليس بحرِ من اذا رام غايةً ، تخوف أن ترمي به مسلكاً وعرا

           وما أنت بالمعطي التمرد حقه، اذا كنت تخشى ان تجوع، وان تعرى

وهكذا صالت "المُحرّقة" وجالت في أكثر من ستين بيتاً، طالت المزيد من المحاور الاجتماعية والسياسية السائدة آنذاك، وآثارها وتأثيراتها، ذات الصلة بمدارات نهوض البلاد وأهلها، فضلاً  عن التحذير من مغبة الانكفاء، والركون إلى اليأس والاستسلام للواقع المرير، بل وقد راحت تشهر الدعوة للمواجهة والتصدي، وتلكم على ما نرى واحدة من أبرز المهمات التي تقع على كاهل المتصدين للتخلف والسبات ، والتواقين للارتقاء والازدهار... وعلّنا مصيبين في ما ذهبنا إليه...

من قصيدة المحرّقة بصوت الجواهري ..على الرابط التالي

http://origin.iraqhurr.org/content/article/2042888.html

                 مع تحيات مركز الجواهري في براغ      www.jawahiri.com
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أربيلياتٌ" جواهريةٌ
راهنة...

    رواء الجصاني : jawahiricent@yahoo.com

مع فجر يوم ٍ جديد، نيسانيّ السمات، تبدأ رحلتنا من بغداد إلى أربيل للزيارة والاطلاع على سير الانتاج الدرامي المنتظر "الجواهري... كبرياء العراق" للمخرج الطموح انور الحمداني... فضلاً عن تجديد صلات، واحياء غيرها، مع أصدقاء وأحباء وآخرين...

... وعلى مدى خمس ساعات، هي فترة الرحلة السيارة، إلى أربيل، حيث "الجبل الأشم وأهله" تتحفز الذاكرة، وتطفح الذكريات عن آخر زيارة لعاصمة الكرد قبل حوالي عشرة أعوام، بمناسبة احياء مئوية الجواهري بحضور شعراء وأدباء وفنانين وسياسيين من العراقيين والعرب المختارين، احتفوا بذكرى ولادة الشاعر والرمز الثقافي والوطني الأصدح، ومنجزه وعطائه الفكري وبضيافة الزعيمين الكورديين: مسعود بارزاني في أربيل، وجلال طالباني في السليمانية.....

   قلبي لكوردستان يهدى والفمُ ،ولقد يجودُ باصغريه المعدم..ُ    

   سلم على الجبلِ الأشمّ وأهله، ولأنتَ أدرى عن بنيه من همُ

ومنذ الساعات الأولى في أربيل، نُـقاد إلى حيث فضائية "السومرية" التي بادرت لتتميز في انتاجها ذي السبعة أجزاء عن الجواهري كبرياء العراق باشراف الاعلامي العريق: علي أكرم، وبمشاركة نخبة من الممثلين والفنانين والتقنيين البارزين، الذين سجلوا ريادة أولى، نثق انها قد حظيت، وستحظى باهتمام وفير ...

... ثم تحفل المقامة الاربيلية، بلقاءات وحوارات واستذكارات مع أصدقاء واعلاميين وغيرهم... ويبقى المحور في جميع كل هذا وذاك: الجواهري وبعض رموزيته وعوالم ابداعه، وتنوعها... فذلك طارق ابراهيم شريف، مليءٌ بتصورات ومشاريع كتابية وغيرها ...وهاهنا مال الله فرج يبادر إلى تغطية صحفية وثقافية شاملة ... ليوازيه عبد الحميد الزيباري في جهدٍ ممائل، وليتمم هوازين عمر ، ولكن بالكردية هذه المرة، وكل ذلك في توثيق  اضافي جديد لبعض مواقف وحياة شاعر الأمة العراقية، على الأقل...

             سلامٌ على هضباتِ العراقٌ، وشطيهٌ والجرفٌ والمنحنى

            على النخل ذي السعفات الطوال على سيد الشجر المقتنى

وإذ نزور نقيب صحفي كوردستان فرهاد عوني، ويتهادى الحديث عن الجواهري والكورد بشكل رئيس، يصطحبنا بعد ذلك ،الناشر، وذو المواهب المتعددة ، احسان توتنجي ، إلى بعض معالم أربيل، القديمة، والجديدة ،التي لا تبارى... مروراً بمتنزه الشهيد سامي عبد الرحمن، الأوسع والأكبر في أربيل، وحيث يشمخ هناك احد نصبين متماثلين للجواهري، ثانيهما في السليمانية، الكوردية أيضاً... وهكذا تتفرد الحاضرتان الكوردوستانيتان ، خلافاً لكل مدن العراق الأخرى، وحتى بغداد والنجف ، في الاحتفاء بشاعر العراق ، والعربية الأكبر...

وعلى أية حال، تتقضى الساعات السبعون في العاصمة الكوردية، وكأنها لم تبدأ بعد... فهنالك الكثير والعديد من الأفكار والرؤى والتفاصيل  ذات الصلة، المؤجلة إلى حين قريب كما نتمنى.... وعنها كتابات تالية بالتاكيد 

ملف صوتي على  الرابط التالي: http://origin.iraqhurr.org/content/article/2036052.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ : www.jawahiri.com

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ايضا ... عن بعض البغداديات الجواهرية الراهنة
 

     رواء الجصاني : Jawahiricent@yahoo.com

    .... ما زلنا في بغداد - دارة المجد - بعد ازيد من واحد وثلاثين عاما من الاغتراب والغربة ،وما برح الحديث والتوثيق الذى نُعنى به في هذا القسم الثاني من " البغداديات الجوهراية " قائماً،  وها نحن نرصد ، ونسجل  من جديد لقطات تحمل اكثر من مغزى  كما نظن ، وليس كل الظن اثمُ ، في عالم اليوم ، الملئ بالعجيب وبالغريب المتراكم ...

    ... نشهدُ حوارا بين جمع أليف ، ومن بينه :  مقدم عسكري ، باسل ، متقاعد برغمه ، وكادر سياسي سمير للنشاط الميداني ، و"بطران" مسرف في الاثارات  اللامتناهية ... الى جانب معنية  في العمل الجماهيري،  تركت السويد وترفها لتعاشر الاحياءالبغدادية الشعبية  ، واخر فاعل  في منظمة للأمل في عراق اليوم ، .. . ويحتدم النقاش حول السياسة والاقتصاد  والدين والثقافة ، ويكون الجواهري حاضرا : شعراً ، ورؤى ومواقف اباح بها ، ونشرها ،علنا قبل ازيد من ستين عاماً ، وما برحت نيّرة  كأنها بنت اليوم ، يستشهد بها ، ويدعو  لتبنيها العديد من الدينين والعلمانيين ومن بينهما من  "الوسطيين"  وغيرهم ... اما هو القائل :

 أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه اشطارُ  

    ... نزور- ومعي احد ابناء الجواهري - مديرية الاقامة لتمديد  فترة البقاء في بلاد "نا" عشرة ايام اخرى فيلتف حولنا ضباط شرطة ومراتب ، وليحتفوا بنا بما هو ميسور ، و ليسألوا عن بعض مقامات الشاعر والرمز الوطني  في براغ ، التي جئنا منها زائرين  ، وليتباهى امامنا  ضابط امن في العراق الجديد ، ببعض معلومات ، واعتزازٍ بصاحب " دجلة الخير"...

    ...نلتقي شاعراً ، صادق العطاء ، عاش سنوات شباب بهيجةٍ في براغ ، فراح وعلى مدى اربع  ساعات في ذكريات واستذكارات خاصة وعامة ، يطوفُ  الكثير منها ،ويحوفُ  حول جملة من الاستثنائيات الجواهرية الشعرية والاجتماعية  والغزلية و... تداعياتها ، وليوثق صاحبنا- وهو شاهد عيان، كيف كان الشاعر العظيم صريحاً ومباشراً وجريئا في عشقه للحياة والجمال ، ودون مدى ، ولنستذكر سوية :

 لو قيلَ: كيف الحبُ ، قلت : بأن تُداء ولا تشافى

  .. نزج في "معمعان"  عائلي، جمع بين اباء وابناء وحتى احفاد ، فتتزايد تساؤلات وتمنيات لو يتحول منزل الجواهري- االاول والاخيرفي بغداد الى متحف لاثاره ومنجزه الابداعي ، قبل ان يُزال شيوعُه ، ويضيع بين هذا وذاك ، وليُجهدَ ،ولربما بعد اكثر من الف عام تالية كما هي حال  المتنبي الخالد فيبحثُ لصاحب " دجلة الخير " عن مقام هنا اوهناك  ...

   ...نزور وزيرا ، لطيف السجية ، للمجاملة والتشاور في شأنٍ وظيفي ، ومعي  صديق ظافرٌ بالاخلاق ، واذ باكثرمن نصف وقت الزيارة ينقضي بالحديث عن بعض محطات الجواهري الستينية في اوربا ، وهو في المغترب االاضطراري ، وكيف كان الشبيبة والطلبة الكورد به ، ومن بينهم الوزير ذاته ، يحتفون بشاعر الامة العراقية  بكل محبة وتقدير ، وخاصة وهو صاحب العصماء الحديثة انذاك ونعني بها  ""قلبي لكردستان يهدى والفم  "" ذائعة الصيت ...

......وندعى لاحتفال الحزب العراقي الاعرق ، بمناسبة ذكرى تأسيسه السادسة والسبعين ،وحيث   الاحباء والاصقاء " من قطعوا ومن وصلوا...." واذ بالعديد من  لافتات ، الاحتفال ، وكلماته ، تتباهى وتنقل هذا المقطع الشعري او ذاك من بعض قصائد الجواهري الوطنية والسياسية الاشهر ....  ثم نخرج سارحين في شارع السعدون الزاهر شيئا فشيئا ، لتطالعنا ، وليس بعيدا عن موقع ذلك الاحتفال الحافل  سوى بعشرات الامتار فقط ، وفي ساحة التحرير بالذات  ، حيث  وسط العاصمة  ، لوحة شامخة تحمل بعض  ابيات منتقاة من قصيدة " امنت بالحسين " االعينية المتفردة في تمجيد البطولة والتضحيات الاجل ، والهاتف مطلعها بشموخ :

 فداء لمثواكَ من مضجعِ ، تنورَ بالابلج الاروعِ

   ...وتقودنا صداقة جديدة لزيارة القائم باعمال رئيس تحرير الصحيفة العراقية الاولى ، فنتسامر  ونتحاور في رواهن متنوعة ... ثم ليدور الحديث ، وكالعادة في مثل تلكم المجالس الثقافية والاعلامية ، عن الجواهري ، ول "نتفاوض" حول امكانية المساهمة بكتابة دورية  او توثيق او تأرخة ، عن الشاعر وتراثه وارثه الثري ...

   ... اما عن حال واخبار " مركز الجواهري في براغ " ونشاطاته وظروف عمله المتاحة ، والممكنة ، وما الى ذلك من شؤون وشجون ... فلربما لا نبالغ في القول ان ذلك الامر كان دائم الحضور في مجمل اللقاءات ذات الصلة ، وعلى مدى  الايام العشرين التى تقضت ببغداد وكأنها سويعات فقط ... اما الملموس من كل ذلك  فهو مؤجل كما يبدو والى اشعار اخر ، لانشغال اولى الامر والنهي ، وهو ما ندعيه بالنيابة عنهم ...

  ....وهكذا اذن ، جهدنا ان ننقل بكل ايجاز ما نحسبه بعض حصاد عن محطات ابرز في بغداديات جواهرية انية ، نثق انها ذات اكثر من مدلول ومغزى... وللحديث تتمة كما يقولون                                  

للاستماع الى مقاطع من بعض قصائد الجواهري ، بصوته ، يُتابع الرابط ادناه   

http://www.iraqhurr.org/content/article/2023090.html 

  مع تحيات مركز الجواهري في براغ WWW.JAWAHIRI.COM    

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواهري في بغداد اليوم

 بقلم : رواء الجصاني  Jawahiricent@yahoo.com

... بعد أزيدّ من واحد وثلاثين عاماً ، نحط ُ الرحالُ في بغداد ، ومنذ أولى الساعات هناك تعج الحكايا والذكريات بلقطة هنا، وحادث هناك، وما بين هذه، وتلك خبر واستيحاء وحوار ولقاء واستشهاد، وجميعها عن الجواهري، وفيه، وله، وإليه...

نمرُ، ونقترب من النهر الخالد، فيصدح حديث "دجلة الخير" الذي تعدى حدود القصيدة ليصبح تسمية ومقولة شعبية عامة يتغنى بها ويتبناها أديب وكاتب وفنان وسائق سيارة أجرة وعامل مطعم وسياسي من شتى المشارب، وبائع خردوات ورجل شرطة وموظفة حسابات ورجل أعمال وغيرهم... وما احصيته سريعا: تسميات لمدرسة، ومكتبة وبرنامج اذاعي، وفندق، ومطعم، و... حتى مكتب صرافة، تحمل كلها عبارة دجلة الخير عنواناً لها...

يا دجلة الخير أدري بالذي طفحت به مجاريك من فوق إلى دون

ادري بأنك من ألف مضت هدراً، للآن تهزين من حكم السلاطين

تهزين ان لم تزل في الشرق شاردة من النواويس ، أرواح الفراعين

يا دجلة الخير كم من كنز موهبة، لديك في القمقم "المسحور" مخزون

لعل تلك العفاريت التي احتجزت محملات على أكتاف "دلفين"

لعل يوماً عصوفاً هادراً عرماً، آت فترضيك عقباه، وترضيني

... وإذ نحث الخطى على امتداد شارع الرشيد، الشامخ برغم نوائب الدهر، ومتفجرات الأوغاد، والعائد للحياة، رويداً رويداً، ثمة مقاهي: البرلمان، والرشيد وحسن عجمي والزهاوي، الراحلة، أو الباقية، تتباهى بأن الجواهري كان من روادها ذات زمن... ثم تلكم هي بداية الشارع التاريخي حيث استقر الشاعر في واحد ٍ من بيوتها خلال الخمسينات الماضية ناشراً للعديد من صحفه، وأخلدها كما نزعم الرأي العام... أما في الحيدرخانة فها هو جامعها يستذكر قصيدة أخي جعفراً، والتي ألقاها الجواهري في باحته الخارجية، عام 1948، معتلياً سلماً خشبياً وسط جماهير حاشدة..

اتعلم ام انت لا تعلم .... بان جراح الضحايا فمُ

فم ليس كالمدعي قولة ، وليس كاخر يستفهم ُ...

... ارى افقاً بنجيع الدماء طغت واختفت الانجم

وجيلا يجئ وجيلاً يروح ، وناراً ازاءهما تضرمُُ

... وفي رواق المتنبي، المتفرع عن الشارع الأم، والناهض بكبرياء، وتحد ٍ للقتلة والظلاميين، ترى المكتبات الثابتة، أو المتنقلة تبرز اصدارات فيها الغث والسمين، عن الرمز العراقي الثقافي الأبرز، جديدٌ بعضها، وقديمٌ آخر، وما بينهما كراسات تحمل هذه القصيدة أو تلك، مستلة من الديوان الثري ذي الأكثر من 25 ألف بيت... وفي مقهى "الشابندر" الشهير، عند بداية هذه الجادة الثقافية العريقة، تدور رحى الأحاديث مع أصدقاء قدامى، وجدد، عن هذا الشأن السياسي، والثقافي وغيره، وإذ بخبرين آنيين ينصت لهما الجميع بإصغاء حريص : واحد عن شريط توثيقي يؤرخ للجواهري، يكاد مخرجه الأردني درويش البوطي أن يكمله ليبث بعد أسابيع قليلة فقط من قناة الجزيرة  القطرية... والثاني عن جهود مكثفة يواصلها المخرج العراقي انور الحمداني لإتمام مسلسل متفرد بسبعة أجزاء عن محطات في حياة الشاعر العظيم، من الولادة، وحتى أواخر الستينات، وعلى أن يُبث في شهر تموز القادم من قناة السومرية العراقية...
... ثم يحلّ يومٌ تال ٍ، نيسانيٍّ مشرق، يعقب "صولات" جبانة للظلاميين والأيتام، وسياراتهم المفخخة بالموت، فنحقق زيارة خاطفة لمقر اتحاد الأدباء وسط بغداد، الذي تعلو واجهته لوحة شاسعة الأبعاد للجواهري، وليدور الحديث، وان السريع، مع أقطاب الهيئة الادارية الجديدة القديمة  لهذا الصرح التنويري المكافح ، عن بعض الشؤون ذات الصلة بمؤسس الاتحاد، ومكتبه في ذات المقر قبل أكثر من نصف قرن، وكذلك عن ركنه ولقاءاته مع الخلان والأصحاب في الحديقة" الملحقة الزاهية بالشعر والأدب أولاً وقبل كل شيء.
...

ألا هل قاطع يصل ، لما عيّت به الرسلٌ

ويا أحبابي الأغلين من قطعوا، ومن وصلوا

ومن هم نخبة اللذات عندي حين تنتحل

سلام كله قبل كأن صميمها شعلُ

ولأن الحديث يطول ويتشعب عن البغداديات الجواهرية الراهنة ، فدعونا نكمل بعضه الآخر في حلقة  قريبة اخرى ...

           قصائد بصوت الجواهري الكبير على الرابط التالي

http://origin.iraqhurr.org/content/article/2023090.html          

       مع تحيات مركز الجواهري / براغ : www.jawahiri.com

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في بعض ثمانينات
الجواهري ... والعراق

الجواهري مع بعض اهل البيت في اواسط الثمانينات الماضي

رواء الجصاني   jawahiricent@yahoo.com

 باستثناء بعض اللقطات الخبرية وحسب، بقيت ثمانينات الجواهري دون توثيق ملموس إلى اليوم، وقد توفق هذه اللمحات السريعة في تأشير بعض المحطات الرئيسة بهذا الشأن، خاصة واننا نكتب عن ذلك من خلال معايشة مباشرة مع صاحب الامر، ولربما يوم بيوم ....

وتبرز أهمية هذا التوثيق لبعض سجل الجواهري من تزامن ثمانينات الشاعر والرمز الوطني مع ثمانينات القرن العشرين تماماً، حين شهدت البلاد العراقية أحداثاً وشؤوناً وشجوناً بالغة الاستثناء في قسوتها كما يثبت المؤرخون... وخاصة حرب النظام مع إيران في مطلع العقد، وغزوه الكويت في نهايته، وما ترتب على ذلك من مآسٍ ودمار وكوارث.       

... وهكذا يقرر الشيخ الثمانيني الجليل، الهجرة من الوطن، وهو يحمل "منقاراً وأجنحة" ليس إلا، عائداً للاغتراب من جديد إلى العاصمة التشيكية براغ ، وهي التي أطالت الشوط من عمره كما يزعم في احدى خوالده:

أطلت الشوط من عمري، أطال الله من عمركْ

ولا نُبئت بالشر، ولا بالسوء من خبرك

حسوت الخمر من نهرك ، وذقت الحلو من ثمرك

وغنت لي صوادحك النشاوى من ندى سحرك

الا يا مزهر الخلد ، تغنى الدهر في وترك

ويا امثولة الحسن ، مشت دنيا على اثرك

ذكا في تربك العطر ودبّ السحر في حجرك

ولو قيضت دنى اخرى ، لما كانت سوى كسرك

في براغ، مغتربه القديم الجديد، يقيم الجواهري في "شقيقة" مؤجرة لا تتعدى مساحتها الخمسين متراً مربعاً أو تكاد، منشغلاً بالشعر والوطن وما بينهما، باحثاً عن ايما استقرار، عارفاً سلفاً أن ذلك وهم بعيد المنال لمن مثله "صاعقاً متلهباً" و"سبوحاً عانق الموجة مداً وانحسارا" طوال عقود حياته المديدة... وتعود تلك "الشُقيقة" ذاتها ، وكما في الستينات والسبعينات، مزاراً لقيادات سياسية معارضة، ولنخب مثقفين عراقيين وعرب، تستمع لآراء ومواقف الجواهري واستشرافاته... ولربما توجز قصيدته النونية عام  بعضاً من همومه في تلكم الفترة ، ورؤاه لأوضاع وآفاق "العراق العجيب" بحسب تعبيره.

وخلال السنوات الأولى من ثمانيناته وهي ثمانينات القرن الماضي كما سبق القول، وجهت للجواهري دعوات عديدة لزيارات رسمية، وفعاليات ثقافية بارزة، لم يلبّ منها إلا قليلاً، ومن أبرزها دعوتان رئاسيتان إلى العاصمة السورية دمشق التي كان قد كتب عنها رائعة جديدة في أواسط عام 1980والثانية إلى عدن، عاصمة اليمن الجنوبية حيث قال فيها نونيته العصماء عام 1982... كما يقام له احتفال رسمي وجماهري  حاشد قلّ نظيره - بحسب المتابعين وذلك في مدينة اللاذقية السورية عام 1983... وألقى فيه الشاعر الضيف، والرمز العراقي الابرز ، مجموعة قصائد مختارة، وابتدأها بهذه المقاطع المعبرة دون حدود:

لقد أسرى بيّ الأجل، وطول مسيرة مللُ

وطول مسيرة من دون غاي مطمح خجل

على اني لان ينهي غداً طول السرى وجل

تماهل خشية وونى، وعقبى مهله، عجل

وخولط  سيره  جنفاً، كما يتقاصر الحجل

وعيش المرء فضل منمى  بها ما شق يخانل

فان ولت، وفلا ثقة ، ولا حول  ولا قبلُ

على الرابط التالي مقاطع بصوت الجواهري الكبير: http://www.iraqhurr.org/content/article/1995274.html

                      مع تحيات مركز الجواهري في براغ   www.jawahiri.com     

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حينما يصبحُ الأرقُ وحده ، نديمَ الشاعر ِ ورفيقـَه الخلوص

 

الجواهري بريشة رافع الناصري  

 رواء الجصاني jawahiricent@yahoo.com   

يَعدُّ المتابعون ملحمة "يا نديمي" الجواهرية الثرية بامتياز  إحدى أبرز القصائد المليئة بمشاعر وأحاسيس الهضيمة من البلاد، والأهل، ونخبة اللدات، والأعراف الاجتماعية االعجفاء ... وقد نظمت في مطلع الستينات الماضية، ببراغ، حيث بدايات الاغتراب، ووحشته المتفردة... والنديم المخاطب هنا، هو ذلك الأرق الذي عايش الشاعر الشاعر على مدى ليال ٍدجيّات  طوال:

يا نديمي ان الدجى وضحا ، والهزار الغافي هناك .. صحا

يا نديمي وصبَ لي قدحا ، المسُ الحزن فيه والفرحا

وأرى من خلاله شبحا ، من نثار الهمّ الذي طفحا

في شباب مضيع ٍ هدّر ، مثل عود خاو ٍ بلا وتر

* * *

يا نديمي وكم يد ٍ ويد ِ ، للندامى مدّت فلم تعد ِ

غفلت عن خبيثة ٍ رَصَد ِ ، واستنامت رخية لغد ِ

يا نديمي فسقّني وزد ِ ، فيدي ما تزال في عضدي

وغدي ان يَغب ، وان يُزر ِ واجدٌ فيّ صبرَ منتظر ِ

... ومشاعر الهضيمة والحرقة من انعدام المقاييس واختلاطاتها تبدأ، ولا تقف عند حدود لدى الجواهري، وخاصة من النخب المثقفة التي تتحمل بحسب فلسفة الشاعر ورؤاه على الأقل، المسؤولية الأولى عن مهام التنوير، وإشاعة الفكر الانساني، ومقومات الارتقاء... وهكذا فقد راحت قصائده تترى، ومنذ بدايات انطلاقاته، في مطلع القرن الماضي، وحتى أواخره، تعجّ، وبشكل شبه دائم على ما نزعم، بمواقف ورؤى تسرد، وتوثق وتلوم، وتنتقد، وتعالج، وتشكو وتقسو، وبهدف سام ٍ بكل تأكيد، من أجل الانهاض أولاً، وقبل كل شيء.  

يا نديمي امس اقتنصت طريداً، شاعراً كان يستضيف البيدا

كان هماً ، وكان صُلباً حديدا ، يملاً القفر موحشاً ، تغريدا

قلت من ؟ قال شرط أن لا تزيدا ، أنا أدعى : مسافراً ويزيدا

من بلاد ٍ أعدت على القرودا ، ونفتني ، وكنت فيها النشيدا

* * *

وتولى عني، فظلت مليا ، في قرود ٍ وفكر ٍ ، ونشيد

وعلى انه أجاد الرويا ، لم أجد في رويه ِ من جديدِ

كان قلباً غضاً ، وفكراً طريا ،شاءه الحظُ في مزاحف دود

كل طير "مسافرُ بنُ يزيدِ" ، حين يغدو فريسة لقرود

وللمعلومات، فان المقاطع السابقة  ، هي بعض المتوفر صوتياً من تلكم الملحمة الفريدة اسلوباً وفلسفة ومضامين، في أكثر من مئة مقطع، وقل "رباعية" متغيرة القافية حيناً ، ومتشابهة أحايين أخرى، ولكن جميعها كما سبق القول، ينبض بالألم الطافح والفضح المرير لمعاناة جواهرية شاملة، وان تبدت بصورة حال شخصية ، مباشرة----

مقاطع من القصيدة بصوت الجواهري الكبير على الرابط ادناه 

  http://origin.iraqhurr.org/content/article/1989023.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ www.jawahiri.com

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن بعض "دمشقيات" الجواهري.. وسورياته
 

رواء الجصاني                    Jawahiricent@yahoo.com

   كما كتبنا في حلقاتٍ سابقة عن بعض مصريات الجواهري، ومقامته اليمنية، ومحطاته اللبنانية ومثلما نعد ان نوثـّـق تاليــاً بعض سجله في الجزائر، والكويت، وابو ظبي، وتونس والاردن وليبيا، والمغرب، نتوسط اليوم عند بعض "دمشقيات" الشاعر الكبير، رائين في "شممت تربك" ذات الخمسة والسبعين بيتاً، إيجازاً موحياً، وخلاصات وافية، لعقود من المحبة والوفاء لعاصمة وبلد ٍ وناس:

شممتُ تربك لا زلفى ، ولا ملقا ...وسرت قصدك لاخبّاً ، ولامذِقا
وما وجدتُ إلى لقياك منعطفا إلا إليك ، ولا ألفيت مفترقا
وكان قلبي إلى رؤياك باصرتي حتى اتهمت عليك العين والحدقا
شممتُ تربك أستاف الصبا مرحا ، والشمل مؤتلفاً ، والعقد مؤتلقا
وسرت قصدك لا كالمشتهي بلداً، لكن كمن يتشهّى وجه من عشقا

وعشق الجواهري هذا، لدمشق، وأهلها ، يبدأ منذ مطلع العشرينات الماضية، ولعلّ بيتاً واحداً فقط من قصيدته "ابن الشام" المنظومة عام 1921 يكفي ليوثـّـق وحده ، ما نريد التحدث عنه طويلاً ، حين قال:      اني شآمي الهوى.. فإذا نُسبت لموطن ٍ ، فعراقي ..

 وهكذا توالى القصيد وصفاً وسرداً وتخليداً، وافتتاناً، وبين هذا وذاك الكثير الكثير في سفر الشاعر الثري على مدى العقود السبعة اللاحقة... وهاهو يؤرخ لبعض ذلك في مقطع ثان ٍ من "شممت تربك" الفريدة...

دمشقُ عشتك ريعاناً وخافقة ، ولمّة،  والعيون السود والأرقا
        وها أنا ويدي جلدٌ وسالفتي ثلجٌ ، ووجهي عظمٌ كاد أوعُرقا
    وأنت لم تبرحي في النفس عالقة ، دمي ولحمي والأنفاس والرمقا
تموجين  ظلال الذكريات هوى وتسعدين الأسى والهمّ والقلقا

ان الحديث عن محطات الجواهري السورية يطول ويتشعب ويتنوع في مجالات وموحيات لا حصر لها... ولكن يكفي ، على ما نسعى ان نعبّر عنه، بكلمات موجزة :ان دمشق الشام قد احتضنت الجواهري لاجئاً سياسياً إليها عامي 1956، 1957، بعد مطولته في الشهيد عدنان المالكي، ومطلعها ذائع الصيت:                       خلفت غاشية الخنوع ِ ورائي ، وأتيت اقبس جمرة الشهداء..

...ثم تجيء أهم محطاته السورية الحافلة العطاء، وقل الأبرز والأوثق، حين استضافته، مغترباً من جديد عن وطنه، برعاية استثنائية من الرئيس الراحل حافظ الأسد، منذ 1982، وعلى مدى خمسة عشر عاماً، وحتى 1997 تحديداً، حين رحل فيها، بعيداً عن دجلة الخير، وما برح في ثراها إلى اليوم، ولا أحد يدري ان كان سيسرى به إلى عراقه ذات تاريخ؟ 

مرفق صوتي بصوت الجواهري على الرابط التالي

http://www.iraqhurr.org/content/article/1982565.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ :   www.jawahiri.com

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن الكرد ... وذلك " الجبل الأشم"

 نصب - متماثل بنسختين- للجواهري في وسط اربيل والسليمانية

رواء الجصاني        jawahiricent@yahoo.com           

... و"الجبل الأشم" في العنوان أعلاه، وصف جواهري لكردستان العراق في مطولة عصماء نظمت عام 1962 ووثقت بعضاً من مسيرة الشعب الكردي وكفاحه الدؤوب من أجل حقوقه القومية والانسانية، ببطولة متناهية كما يراها الشاعر الخالد...

والقصيدة الموقف، التي نتحدث في هذه السطور، بناء شامخ يزيد على مئة بيت، حرصت على تقييم نضالات ثورية، وصلابة مبدئية، إلى جانب رؤى تفصح عن حتمية في انتصار المثابرين والمضحين الذين "أغرم" بهم الجواهري طوال حياته المديدة، فجاد لهم بالأغلى لديه: القلب واللسان... حسب وصفه.

قلبي لكردستان يهدى والفمُ  ، ولقد يجودُ بأصغريه المعدمُ

تلكم هدية مستمت ٍ مغرم ، انا بالضحية والمضحي مغرمُ

غاليتُ في حب الشهيدِ وراعني في ما احدّث عنه فكرٌ مبهمُ

ووهمتُ اني في الصبابة منهم، ولقد يعين على اليقين توهمُ

وتمجيد بطولات الشعوب، وتضحياته ، سمة انغمس فيها قصيد الجواهري الثري، منذ أن اعتبر الشاعر الحرية مذهباً وانتماء ، وامتهن ثورة الفكر التي علّمه تاريخها "بأن ألف مسيح دونها صلبا"... وهكذا راحت قوافيه تترى في "حب الشهيد" ومن "يتقحم أزيز الرصاص" دفاعاً عن مبادئه وتطلعاته... وان كان من بدٍ للبرهنة، فتلك هي قصائد الشاعر العظيم تتحدث عن نفسها وهي تسجل نضالات شعوب الدنيا بهدير لم يبرح يصك الأسماع منذ عقود، وعقود... ومن بينها عن فلسطين وسواستابول والجزائر ووارسو وبور سعيد... وغيرها عديد، وكل ذلك دون حساب الأرث الوطني المعروف والمنتشر دون مدى

والحديث عن نضالات "الجبل الأشم وأهله" في ميمية " كردستان ... موطن الأبطال" الفريدة يأخذ مناحي ومحاور شاملة ومتداخلة في ترابط وثيق، كما هي العادة في سفر الجواهري العريق... بوصف شاهد عيان، وعيون شاعر، وفلسفة مفكر مُنور، وعطاء فنان مبدع...

يا موطن الأبطال بثٌ مؤلم، وألذ اطراف الحديث المؤلمُ

سلّم على الجبل الأشم وعنده من ابجديات الضحايا معجمُ

سفرٌ يضم المجد من اطرافه، ألقاً كما ضم السبائك منجمُ

يا موطن الأبطال حيث تناثرت قصص الكفاح حديثُها والاقدمُ

حيث انبرى مجدٌ لمجد ٍ والتقى ، جيلٌ بآخر زاحف يتسلمُ

... وهنا وبهدف التوثيق، تقتضي الاشارة إلى أن وزارة اعلام النظام الدكتاتوري المندثر في بغداد قدأجتزأت  القصيدة هذه من طبعة ِ ديوان الجواهري (بغداد 1974-1980) ذي الأجزاء السبعة... وقد كان ذلك مسعى خائباً لاخفاء حقائق تتحدث بنفسها عن نفسها ومواقف واضحة من نضالات الشعب الكردي، وثورته، وزعاماته التاريخية... ولكن ها هي القصيدة تخلد وتدوي، وتتحقق نبوءاتها أو تكاد، فيما يندحر الشوفينيون أو يكادون.

   مرفق صوتي على الرابط ادناه :                  http://www.iraqhurr.org/content/article/1969889.html

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أشباح الغربة تلاحق الجواهريّ


 الجواهري بريشة جواد سليم ... مطلع الخمسينات الماضية
رواء الجصاني
 jawahiricent@yahoo.com 

في تواصل زماني، ومكاني، وتداخل مع العديد من فحوى ومضامين قصيدة "دجلة الخير" الشهيرة، ألّفَ الجواهري سيمفونية "أيها الأرق" مطلع الستينات وفيها ما فيها من صور وموحيات ورسوم بالأحرف الأنيقة الجزلى، فضلاً عن الرؤى والمواقف السامية العطاء:

    مرحباً : يا أيها الأرق ... فرشت أنساً لك الحدقُ

لك من عينيّ منطلق ، اذ عيون الناس تنطبق

لك زاد عندي القلق ، واليراع النضو والورق

ورؤى في حانة ِ القدر ، عتقت خمراً لمعتصِرِ

... و"أيها الأرق" هذه، التي نظمت في فترة الاغتراب الجواهرية الأولى ببراغ، تعج بلواعج لا تحصى، عاناها شاعر الوطن والأمة، المبتعد عن بلاده، أو المبعد عنها، ولا فرق.. كما انها تشكو المرارة النابعة من الضمير والقلب، وما أشدها على الغارق في حب الناس، والحياة، والتنوير:

خفقت من حولي السرجُ .. في الربى والسوح تختلجُ

ومشى في الظلمة البلجُ ، وقطار راح يعتلجُ

بضرام، صدرهُ الحرجُ ، فهو في القضبان ينزلج

كأنغام على وتر ، سُعلاتٌ ذبن في السحِر

وعوضاً عن استقراء لنا، أو لآخرين عن هذا النسيج الانساني العاطفي، المعبر ِ عنه بألوان وظلال شعرية بالغة الصميمية والرقة، دعونا نتوقف عند بعض ما كتبه الجواهري ذاته،في  قصيدته هذه، إذ يقول عنها:

"أيها الأرق ... نداءٌ حيّ ، واستدعاءٌ صارخٌ مشوبان ِ بترحيب ٍ تلمسُ في كل ٍ منه حرارة َ الصدق ِ، وقوة الايمان، بمثل ما تنطوي عليه من حرارة ِ الألم ِ، وبمستوى قوة ِ البواعث ِ التي ابتعثته... وحيث كانت اشباحُ الغربة ِ تحومُ، عارية ً، مكشوفة ً بكل بشاعاتها، ورهبتِها، وبكل ِ الأحاسيس ِ والانفعالات ِ المسحوبة عليها، ومعها...".

... ومرآة ً لذلك الذي  النثر، لنقرأ شعراً هذه المرة، عزفاً جواهرياً لبعض مقاطع  اخرى من سيمفونيته النابضة بصدى الألم والهضيمة، دعوا عنكم المواقف والرؤى:

أنا عندي من الأسى جبلُ ، يتمشى معي وينتقلُ

أنا عندي، وان خبا أمل، جذوة في الفؤاد تشتعلُ

انما الفكر عارم، بطلُ ، أبد الآبدين يقتتلُ

قائدٌ ملهم بلا نفر ، حُسرت عنه راية الظفر  

ثم يواصل الجواهري تغزله بنديمه في ليالي الغربة، ووصَـفه لعذابات شاعر ٍ ، شاعر:

مرحبا: يا أيها الأرق، فحمة الديجور تحترق

والنجوم الزهرُ تفترقُ فيجر السابح الغرقُ

شفُ ثوبٌ للدجى خَلقُ ، وخلا من لؤلؤ طبق

ومشى صبح على حذر كغريب ٍ آب من سفر ِ

... بقي أن أقول ان قصيدة "أيها الأرق" التي تحدثنا عنها  في السطور اعلاه ، ما هي سوى مقدمة فحسب، لمطولة شهيرة هي الأخرى، وباسم "يا نديمي" راحت أكثر تفصيلاً، ومباشرة، في الشكوى والنقد والانتقاد للتقاليد والأعراف السائدة في العقول والممارسات الاجتماعية، والفكرية، التي عانى الشاعر منها على مدى عقود، وعقود... رافضاً لها، وثائراً ضدها، ومنوراً أزاءها... وعند "نديم" الجواهري لنا وقفة أخرى في كتابة قريبة ...

للاستماع الى بعض مقاطع القصيدة بصوت الجواهري الكبير ، يتابع الرابط التالي   

   http://www.iraqhurr.org/content/article/1963519.html

              ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجواهري: أنا حتفهم الجُ البيوتَ عليهمُ
 رواء الجصاني   
jawahiricent@yahoo.com

في فترة سياسية بالغة التوتر شهدتها البلاد العراقية قبل أزيد من ستة عقود، ولدت بائية تنويرية مطولة شاعت بعنوان "أنا حتفهم"، تيمناً بمطلع احد ابياتها الذي أوجز فيه الجواهري تصديه لسياسات وممارسات بعض حكام وقادة العهد الملكي في العراق عام 1949 حين قال فيهم: "أنا حتفهم ألج البيوت عليهم، أغري الوليد بشتمهم والحاجبا"... وقد يكون ذلك بيت القصيد حقاً، في القصيدة التي تتجاوز المئة والثلاثين بيتاً، ومما جاء فيها:

إيهٍ "عميدَ الدار" ! شكوى صاحبٍ ٍ طَفَحَتْ لواعجُهُ فناجى صاحبا

خُبِّرْتُ أنَّكَ لستَ تبرحُ سائلاً عنّي ، تُناشدُ ذاهباً ، أو آيِبا

وتقولُ كيفَ يَظَلُّ "نجم" ساطعٌ ملءُ العيونِ ، عن المحافل غائبا

الآنَ أُنبيكَ اليقينَ كما جلا وضَحُ "الصَّباح" عن العيون غياهبا

فلقد سَكَتُّ مخاطِباً إذ لم أجِد مَن يستحقُّ صَدى الشكاةِ مُخاطَبا

أنبيك عن شر الطغام مفاجراً ومفاخراً ومساعيا  ومكاسبا

والشاربين دم الشباب لأنه ، لو نال من دمهم لكان الشاربا

والحاقدين على البلاد لأنها حقرتهم حقر السليب السالبا

ولأنها ابداً تدوس أفاعياً ، منهم ، تمجُ سمومها ، وعقاربا

ومع ان القصيدة تتحدث بذاتها عن مواقف محددة ٍ، وتؤكد حقائق لا تحتاج لمزيد شرح أو تفسير، إلا ان الديوان قدم لها، وعن ظروف نظمها بشكل مفصّل... وكذلك عن تداعياتها العديدة، ومن بينها احتجاز الجواهري في مديرية التحقيقات الجنائية ببغداد لمدة شهر للتحقيق معه، بسبب مضامين القصيدة وحدتها...

وفي مقطع لاحق، يسرد الشاعر كيف حاول المسؤولون الأرفع في الحكم آنذاك، مساومته بالمناصب، ليكفَّ عنهم، ومن بينهم، بل وفي مقدمتهم، الأمير عبد الاله الوصيّ على عرش البلاد، والذي يسميه الجواهري "النديم" تورية ً في القصيدة:

حشَدوا عليَّ المُغرياتِ مُسيلةً  صغراً لُعابُ الأرذلينَ رغائبا

بالكاس يقرعها "نديم" مالئاً بالوعد منها الحافتين ، وقاطبا

وبتلكم الخلوات تنسخ عندها ، تلع الرقاب من الضباء ثعالبا

وبأن اروح ضحى وزيراً مثلما أصبحت عن ليل بأمر نائبا

ظنّاً بأنَّ يدي تُمَدُّ لتشتري سقطَ المتَّاع ، وأنْ أبيعَ مواهبا

وبأنْ يروحَ وراءَ ظهريَ موطنٌ أسمنتُ نحراً عندَه وترائبا

... وحينما يئس أولئك الحكام المساومون، وعرفوا أن لا جدوى لجهودهم في زحزحة شاعر ومنور متمرس، ثابت الرؤى والانحياز، لمواقفه، بدأوا مرحلة التجاوز والمضايقة واللؤم، وعند ذلك راحوا يتلقون الجزاء:

حتى إذا عجَموا قناةً مُرَّةً شوكاءَ ، تُدمي من أتاها حاطبا

واستيأسُوا منها ، ومن مُتخشِّبٍ  عَنَتاً كصِلِّ الرّملِ يَنْفُخ غاضبا

حُرٍّ يُحاسِبُ نفسَهُ أنْ تَرْعَوي حتى يروحَ لِمنْ سواه مُحاسِبا

حتى إذا الجُنْديُّ شدَّ حِزامَهُ ورأى الفضيلةَ أنْ يظَلَّ مُحاربا

حَشدوا عليه الجُوعَ يُنْشِبُ نابَهُ في جلدِ "أرقطَ" لا يُبالي ناشبا !

وعلى شُبولِ اللَّيثِ خرقُ نعالِهم ! أزكى من المُترهِّلينَ حقائبا

يتبجَّحُونَ بأنَّ مَوجاً طاغياً سَدُّوا عليهِ مَنافذاً ومَساربا

كّذِبوا فملءُ فمِ الزّمان قصائدي أبداً تجوبُ مَشارقاً ومَغاربا

تستَلُّ من أظفارِهم وتحطُّ من أقدارهِمْ ، وتثلُّ مجداً كاذبا

أنا حتفُهم ألجُ البيوتَ عليهمُ  أُغري الوليدّ بشتمهمْ والحاجبا

ترى من ربح المنازلة في الأخير، وأين صار أولئك اليوم، وأين هو الجواهري... ذلك ما أجاب، ويجيب عليه التأريخ، الشاهد العدول...

للاستماع الى مقاطع من القصيدة بصوت الجواهري.. يُتابع الرابط التالي:
http://www.iraqhurr.org/content/article/1956893.html

مع تحيات مركزالجواهري في براغ : 
  www.jawahiri.com

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن بعض محطات الجواهري اللبنانية

رواء الجصاني    jawahiricent@yahoo.com

  قد يحق لنا أن نجتهد، فنصيب، حين نقول ان الجواهري قد أوجز حبه للبنان وبيروته وجمال طبيعته، وحسانه اللواتي يفضن رقةً ودلالاً وغنجاً، وذلك في آخر قصائده ذات الصلة، عام 1961 حين قال:

لبنانُ يا خمري وطيبي، لا - لامستكَ يدُ الخطوب ِ

لبنانُ يا غرفَ الجنان ِ الناضحات ِ بكل طيب ِ

لبنانُ يا وطني اذا حُلئتُ عن وطني الحبيب

... وتعود اولى قصائد الجواهري عن تلك البلاد التي عشقها بكل عنف، إلى مطالع الشباب، وإلى عام 1922 تحديداً حينما نظم نونيته "لبنان في العراق" لتليها كثيرات أخريات ومن بينها في الثلاثينات الماضية: "وادي العرائش" و"شاغور حمانا"... وفي الأربعينات "بنت بيروت" و"اخي الياس"...

  ومن بين قصائد الحصة اللبنانية في شعر الجواهري، تبرز بائية "ناغيت لبناناً" التي نظمت عام 1947 بمناسبة الزيارة التي قام بها الرئيس بشارة الخوري إلى العراق... وقد تشابكت فيها، وكما هي الحال شبه الدائمة في خوالد الشاعر الكبير، شؤونٌ وشجون عديدة، خاصة وعامة، مما جاء فيها:

ناغيتُ لبناناً بشعري جيلا ، وظفرته لجبينه اكليلا

وحسان لبنان منحت قصائدي ، فسحبنهنّ كدلهنَّ ذيولا

أهديتهن عيونهنّ نوافذاً ، كعيونهن اذا رميّن قتيلا

ورجعت ادراجي اجر غنيمة من بنت بيروت جوى وغليلا

لُعن القصيدُ فأي مثر شامخ سرعان ما استجدى الحسان ، ذليلا

... ثم يعود الشاعر، وكما اسلفنا، ليجول في محاور متداخلة ومنها، وطنية هذه المرة، فراح يخاطب الضيف المحتفى، الرئيس  بشارةالخوري:

يا شيخ لبنانَ الاشم فوارعاً، وشمائلاً ، ومناعة ً ، وقبيلا

مثلته في كلهنَّ فلم يرد ، بسواك عنكَ ، ولن يريد بديلا

ان العراق وقد نزلت ربوعه ، ليعد ساكنه لديك نزيلا

قف في ضفاف الرافدين وناجها ، وتفيّ صفصافاً بها ونخيلا

واسمع غناء الحاصدين حقولها، للحاصدات من القلوب حقولا

وتلمس الآهات في نبراتهم ، يشعلن من حدق العيون فتيلا

  وعلى الرغم من هذه العجالة في الكتابة عن لبنانيات الجواهري، لا يمكن الا ان نتوقف  ، ولو سريعا،  عند رائيته الشهيرة عام 1950 والتي القيت في بيروت خلال حفل تأبيني مهيب وحاشد للشخصية الوطنية البارزة عبد الحميد كرامي، وقد كان من عواقب القصيدة، وتداعياتها، ان طلبت السلطات اللبنانية الرسمية من الشاعر الكبير، الخروج من البلاد خلال ثمان ٍ وأربعين ساعة لخطورته "الشعرية" على أمن البلاد...... ومن أبيات تلكم القصيدة الباهرة:

باق ٍ وأعمارُ الطغاة ِ قصارُ ، من سفر ِ مجدكِ عاطرٌ موارُ

عبدَ الحميد ِ وكلُ مجد ٍ كاذب ، ان لم يُصن للشعب فيه ذمارُ

المجد ان يحميكَ مجدك وحده في الناس ، لا شُرَط ٌ ولا انصارُ

ولأن الشيء بالشيء يذكر كما يقال، نشير هنا الى ان ثمة ثلاث طبعات لديوان الجواهري قد صدرت في لبنان خلال الأعوام 1967 و1982 و2000 على التوالي... كما ونضيف ان حفلاً تأبينياً مهيباً قد احتضنته بيروت خريف العام 1997 في اربعينية الشاعر الخالد، وشارك فيه جمع بارز من شعراء ومفكري وأدباء البلاد، وفي مقدمتهم : سعيد عقل ومحمد دكروب ومحمد حسن الامين وجوزيف حرب وحبيب صادق إلى جانب مبدعين عراقيين وعرب آخرين عديدين.

للاستماع الى مقاطع من بعض القصائد اعلاه ، بصوت الجواهري ، يُتابع الرابط ادناه
         
http://origin.iraqhurr.org/content/article/1950371.html

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواهري عن حسناوات التشيك

رواء الجصاني   jawahiricent@yahoo.com

بعيداً عن المبالغات التي تروى هنا، أو تصدق دون تأنٍ هناك ، ولرب بعضها بلؤم أحياناً، لم يخف ِ الجواهري عشقه لبلاد التشيك وعاصمتها براغ ، التي أطالت الشوط من عمره، كما يثبت ذلك في قصيدة ذائعة الشهرة عام 1969... ولم يقتصر ذلك العشق المعلن لجمال المدينة، ومجتمعها، وطبيعتها، بل تعداه إلى التغزل بجميلات التشيك اللواتي لا يدعن أحداً، ومهما كان صبوراً، إلا أن يبوح معترفاً بما لديهنّ من سحر وفتنة وغنج لا يضاهى... ونحن هنا، على ما نزعم، شهود عيان، موضوعيون كما ندّعي...

وعشق الجواهري هذا، المديد والعريق، يجده المتابع موثقاً في ديوان الشاعر الكبير، بعشر قصائد أو مقطوعات نظمت على امتداد ربع قرن تقريباً، وفي الأعوام 1961 ، 1985 تحديداً... ومن بين ما يقع تحت ايدينا مسجلاً بصوته، مقاطع من قصيدة "آهات" المنظومة عام  1973  ومما جاء فيها:

قف على براها وجب أرباضها وسل المصطاف والمرتبعا

أعلى الحسن ازدهاء وقعت ، أم عليها الحسن زهواً وقعا

وسل الخلاق هل في وسعه ، فوق ما أبدعه أن يبدعا

جاءت الأسراب تترى مقطع من نشيد الصيف يتلو المقطعا

ثم يواصل الجواهري العاشق والمحب ، الوصف والإعجاب والتمني فيقول عن حسناوات وناعسات التشيك:

وتفتحن على رأد الضحى حلماً أشهى ... وصيفاً أمتعا

وتخففن فما زدن على ما ارتدت حواء إلا اصبعا

ايه يا عهد الصبا لو طلل سمع الشكوى ولو ميت وعى

وفي قصيدة أسبق ، بائية هذه المرة، يسرد الجواهري شعراً عام 1961 حكاية انبهاره بجمال احدى حسناوات براغ، التي صادفها في احدى الحافلات فانسحر شاعراً وانساناً، وحاول االتقرب منها ، بسؤالها عن الوقت، كما هو شائع في تحرش الشباب، فإذا بها تصدّه بذكاء النساء المعهود، وبطريقة ابعدت العاشق الطاريء عن طريقها... ولكنه اصطادها حرفاً وموسيقى ولوحة فنية، صنع حاذق ماهـر، ويا ليتها تعرف كيف دخلت التاريخ في قصيدة جواهرية خالدة:

حسناء رجلك في الركاب ويداك تعبث في الكتاب

وانا الضميء الى شرابك كان من ريقي شرابي

حسناء ساعتك التي دورت كانت من طلابي

حاولت اجعلها الذريعة لاحتكاكي واقترابي

عبثاً فقد ادركت ما تبغي القشور من اللباب

وتستمر القصيدة لتبرر للحسناء صدودها عن شيخ مفتون ما برح عنفوان الشباب يغلي عنده، برغم أعوامه التي جاوزت الستين آنذاك:

حسناء لم يعسر طلابي ، ان كان ما بك مثل ما بي

لكن بك المرح اللعوب ، وسحره ، ودم الشباب

وبي الذي لا شيء يعدل قبحه ، إلا التصابي

كنت العليمة بابن آوى ، إذ تحلق للغراب

ترى هل يحدثنا التاريخ عن شبيه للجواهري بمثل ذلك البوح في العشق، والصراحة والجرأة والتوثيق بالقصيد المتفرّد؟...

                    للاستماع الى الجواهري في بعض غزلياته ، يُتابع الرابط ادناه         http://www.iraqhurr.org/content/article/1919429.html           

                  مع تحيات مركز الجواهري في براغ www.jawahiri.com

 

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجواهري يغضب ، فيتصدى عام 1977

رواء الجصاني        jawahiricent@yahoo.com

 إلى جانب العشرات من الكتب والدراسات والمقالات التي كتبت عن الجواهري، حياةً وشعراً وعبقرية، هنالك في المقابل عددٌ آخر، وإن كان محدوداً، نال، أو حاول أن يطال من ذلك الرمز الوطني والثقافي الكبير، برؤى واجتهادات خلافية حيناً، أو انتقادات واسفافات، حسداً وتخلفاً واستجداءً للشهرة، أحايين أخرى... وكما ذهبنا في القول خلال كتابات سابقة لم يكن الجواهري ليردّ بشكل مباشر على منتقديه، أو حاسديه، إلا في مرات محدودات، معتمداً مواقف عامة، أو شاملة، من الظاهرة التي تفرز تلك الحالات التي تستهدفه شخصياً خفاءً أو علناً...
    وفي سياق ما نحن بصدد الحديث عنه، جاءت إحدى قصائده عام 1977 رداً عاصفاً على بعض متهميه بالصمت، أو الابتعاد عن أحداث هنا، وسياسات هناك، أو بزعم الارتداد أو المجاراة، أو التقلب في المواقف، وما إلى غير ذلك من تقولات ومزاعم باهتة ٌ في غالبيتها:


قالوا سكت وانتَ أفظع ملهب وعي الجموع لزندها قداح ِ
الحرف عندك من دم ٍ ، وسبيله يوم الصراع إلى دم ٍ نضاح
حتى على غرر الملاح قلائدٌ ، للشعر من غرر ٍ لديك ملاح
فعلام ابدل وكر نسر ٍ غاضب ٍ ، حرد ٍ بعش البلبل الصداح ِ
فأجبتهم : أنا ذاك ، حيث تشابكت هام الفوارس تحت غاب رماح
قد كنت ارقب ان أرى راحاتهم مدت ، لأدفع عنهمُ بالراح
لكن وجدت سلاحهم في عطلة ٍ ، فرميت في قعر الجحيم سلاحي

وإذ استدرج الشاعر "القوالين" والسائلين بحق، أو او بغيره ، ليزيدوا من شكوكهم واتهاماتهم، انقضّ تالياً في شموخ معهود واعتداد لا حدود له، مجيباً وموضحاً بل ومواجهاً ومتصدياً بقصيد يحمل في طياته اكثر من مغزى ومعنى، يشمل أفراداً أو جماعات، سياسية أو ثقافية وغيرها حاولوا، أو حاولت، أن تتصيّد، وإذ بها تقع في مطبّات وشباك لا تعرف كيف تخرج منها، حين وضع الشاعر والرمز، النقاط على الحروف بكل مباشرة ووضح:

قد كنت احمل فوق اجنحة لهم ، واليوم احمل مهجتي بجناحي
واليوم احمل جذوة مسعورة ، لا شيء ينجدها من الأرواح
لابدّ ابرد جمرها ، فاعرتها ريش الصبا ، ووهبتها للراح


   ومقابل اتهامات المعنيين ذاتهم، صال الجواهري حانقاً، وأحال المواجهة إلى حوار مقابل ، ناصحاً وداعية كعهده ومحرضاً الآخرين لاستلهام العبر والتجارب، بعيداً عن الخطابية والبطولات المدعاة، الخاوية من الوقائع طلباً لمجد زائف، أو إتجاراً على حساب آخرين:
ولقد أقول لصاحبي لم ادره ، اسيان أم ثملاً افق يا صاح ِ
كن فوق داجية الخطوب وريبها ، والح من آذيها الملحاح ِ
وتحدها ، فلقد تحدت صخرة ، طوفان نوح ببطشه المجتاح
وارحمتا للجيل دون عذابه ، حمم الجحيم ومدية الذباح

   ختاماً نوثق هنا ان الذوات أو الجماعات الذين عنتهم ابيات القصيد الغاضب اعلاه، لم يكتفوا بالصمت وحسب، بل وراحوا ينكرون انهم كانوا وراء تلك المزاعم عن ذلك التغير عند الجواهري، او تراجعه عن مواقفه التنويرية... ولعلنا سنفصح عن تفاصيل أخرى ذات صلة في وقت لاحق...

    للاستماع الى القصيدة بصوت الجواهري الكبير ... على الرابط التالي

http://www.iraqhurr.org/content/article/1937462.html

مع تحيات مركز الجواهري في براغ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 من هموم الجواهري وشجونه في الثمانينات

  رواء الجصاني   jawahiricent@yahoo .com

تحل ثمانينات القرن الماضي، سوداء في العراق، حيث الجهلة ورجال العصابات يهيمنون على السلطة، ويشيعون ثقافة الحروب والطائفية والقتل... وانسجاماً مطلقاً مع تلك الحال ومتطلباتها بحسب فلسفتهم العمياء، يمنعون نشر او تداول  شعر الجواهري، وأخباره، بل ويصعدون من ذلك فيدفعون ببعض الاتباع والحاسدين والشامتين، من الطائفيين والظلاميين للنيل من رموزية الشاعر الكبير، الوطنية والابداعية، عبر مقالات هنا، أو كتيبات هناك، لم يَطلْ أصحابها، ولم يقصرْ ابن الفراتين...

كم هزّ دوحك من قزم يطاوله ، فلم ينلهُ ، ولم تقصر ، ولم يطل ِ
وكم سعت "امعات" ان يكون لها ، ما ثار حولك من لغو ٍ ومن جدل ِ

وإذ تتوارد بعض أخبار تلك الحملة "الثقافية" و"السياسية" إلى الجواهري، وهو في منفاه بين براغ ودمشق، تصله أيضاً بعض دفوعات أو مواقف نيرة نادرة في مثل تلك الأوضاع، من أصدقاء وأنصار ومحبين، مثقفين وغيرهم، ومن بينهم د. صلاح خالص "أبو سعد"، فيردّ الشاعر الكبير مثمناً ومتذكراً وموثقاً، بقصيدة جديدة عام 1984، تحكي بنفسها عن نفسها، وتبث هموماً لا تجارى، ومن أول أبياتها:

أأخي "أبا سعد" ومن قُبَلٍ   أُهدى ستقبس جمرتي قبسا
يا صفوَ إخوان ِ الصفاء   إذا ما جفَّ نبعُ مروءةٍ وجسا

شوقاً إليكَ يشدُّ نابضهُ    حبٌ ترعرع بيننا ورسا

والذكراتُ ترفُّ ناعمةً   رفَّ النسيمِ بحسرة همسا
...

أصلاحُ لم تبرحْ صفيَّ هوى   صدقا  ، إذا ما الكاذب انتكسا
ما انفك يومك مثل أمسك، عن غدٍ   كلفاً بحب الخير منغمسا

تشتفّ ضوء الفجر ترقبه   وتميز خيطيه إذا ألتبسا

وكما هي التقاليد الجواهرية في الانتقالات المتشابكة، الخاصة والعامة، في قصائده، جاء العديد من أبيات هذه السينية الغاضبة، الناقدة بهدف التنوير، والفاضحة ادعياءَ، فرادى ومجتمعين، كاشفا بعض عورات مجتمعات، وأفكار تخلف وظلام ،  وبنظرة فلسفية، ولكن بوقائع محددة:

عوت "الذئابُ" عليَّ ناهزة   فرصاً تثير الذئب مفترسا

ينهشن من لحمي وكل دم   فيه لخير الناس قد حُبسا

من كل داجٍ لا يحب سنى   للصبح يطمس ليله التعسا

ودفعت جمع يد ، وملء فم ، ومداهن أصغى فما نبسا

"أصلاحُ" إنّا رهنُ مجتمع   يخشى اللصوص فيذبح العسسا

يُزهى بفارسه إذا افتُرسا   وبضوء نجم ساطع طُمسا

ونتاج زرع لا يُداس به   إلا على الزهر الذي غرسا
...

"اصلاحُ" لا جزعاً كمن يئسا   لكن تفكُّر ملهم حدسا
فالموت يدرك كل ذي رمق   كالنوم يدرك كل من نعسا

ثم تستمر القصيدة، وبلغة مباشرة دون تكلف ، لتدوي بمزيد من اللواعج التي اضطرمت عند الجواهري، ففجرها شعراً، مرات ومرات عبر فرائده، بصور متعددة، مختلفة الأشكال، ولكن خلاصاتها تتوحد في تبيان معاناته من الجحود، والنكران والتجاوز برغم انه شاعر الأمة والعراق، كما يجمع المنصفون على الأقل...

"أصلاح" ما جدوى مُنَىً أُنُفٍ   عدُّ السنين يردها يبسا
درجت "ثمانون وأربعةٌ"   وتحجَّر النبع الذي انبجسا
ورميت بالقرطاس يثقلني   وكفرت بالقلم الذي انغمسا
وصحوت عن نفس مضت عبثاً   تُغري بـ "ليت" و"ربما" و"عسى"
وصحت فلا بالطهر يبطرها   عجباً، ولا هي تجحد الدَّنسا
"أصلاح" ظلَّ كأنت ذا ثقة   بالنفس يقظاناً ومحترسا
وسلمت عبرة خائف كنسا ،    وشجىً بحلق مُفَوَّهِ خرسا

    مع تحيات مركز الجواهري في براغ      www.jawahiri.com

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجواهري في "المقامة" اليمنية
رواء الجصاني  jawahiricent@yahoo.com     

ما كاد الجواهري ليريح ركابه في براغ، مغترباً عن بلاده من جديد، عام 1980 بعيداً عن دجلة الخير، ومبتعداً عنها بسبب الأوضاع الارهابية التي سادت العراق آنذاك، حتى تكررت اليه دعوات رسمية عديدة لاستضافته، رمزاً ومبدعا رائداً ، ومن بينها دعوة رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية علي ناصر محمد، فتقبلها بسرور، ليلبيها عام 1981، وليُحتفى به بصورة بالغة، قلّ نظيرها هناك، كما ينقل شهود عيان...

... ومن ضمن برنامج الزيارة يُقام على شرف الشاعر الخالد احتفال جماهيري حاشد في عدن، فيلقي فيه، إلى جانب مختارات من قصائده القديمة (وكل قديمه جديد بحسب تعبيره)... نونية عصماء نظمها بالمناسبة، ولم ينس أن يوثق في مطلعها ،  انطلاق رحلته الى اليمن ، من براغ، موطن الثلج كما أسماها:

من موطن الثلج زحافاً الى عدن تسري بي الريح في مهر بلا رسن ِ
كاسي على صهوة منه يصفقها ، ما قيّض الله لي من خلقه الحسن
من موطن الثلج من خضر العيون به ، لموطن السحر ، من سمراء ذي يزن
من كل ملتفة الكشحين ناعمة، ميادة مثل غصن البانة اللدن
يا للتصابي اما ينفك يجذبني ، على الثمانين جذب النوق بالعطن
قالوا اما تنتشي إلا على خطر ٍ فقلت ذلك من لهوى ومن ددني
سبحان من ألف الضدين في خلدي  ، فرط الشجاعة، في فرط من الجبن
لا اتقي خزرات الذئب  ترصدني، واتقي نظرات الاوعج الشدنِ

       ثم تستمر القصيدة ذات الواحد والأربعين بيتاً، ليشبك فيها الجواهري كعادته - محاور متعددة بين العام والخاص والايحاءات والوصف والاستعارة، وغيرها كثير، فراحت أبياتها تتهادى على ايقاعات محسوبة باتقان متفرد:

خيت بي الريح في ايماض بارقة ... تلغي مسافة بين العين والاذنِ
لم ادرها زمناً تطوى مراحله ،  ام انها عثرات العمر بالزمن
والله ما بعدت دارٌ ، وان بعدت  ، ما اقرب الشوط من اهلي، ومن سكني

 ...كما لم ينسَ ان يردُ الشاعر في ابيات تالية، التحية بمثلها، وأكثر، للمحتفين به، والحاضرين الذين كانوا كفاء تكريم شاعرهم الأخلد:

ويا شباباً احلتني مفاخرهم ، في اي محتضن، من أي محتضن
لا يبلغ الشكر ما تشدون من كرمٍ، ولا يوفي بياني سابغ المنن ِ
اتيتكم ومتاعي فيض عاطفة ، بها يثار جنان الافوه اللسن
القي اليكم بما انتم احق به ، مما ينفس عن شجو ٍ وعن حزن ِ
وناقل التمر عن جهل الى هجر كناقل الشعر موشياً إلى اليمن

... وفي هذه المرة أيضاً، لم يفوّت الجواهري "مقامته" اليمنية الجديدة فراح يتباهى، بشعره وعطائه، وبرؤى ً اختطها مسارات ثابتة في حياته الرحيبة بالتمرد والشموخ والمواقف ... فقال:

ويا أحبايّ صفحاً عن مكابرة من ملهمٍ بغرور النفس مرتهن
تغفو على الخطر الملتف خاطرتي كأنها نشوة العينين بالوسن
ويستبد بنفسي وهي حالمة، من كبرياء القوافي ، زهو مفتتن
ما ارخص الموت عندي اذ يندُ فمي ، بما تحوك بنات الشعر من كفني
وما ارق الليالي وهي تسلمني ... يوم النضال، لظهر المركب الخشن
حسبتني وعقاب الجو يصعد بي  ... الى السموات ِ محمولاً إلى وطني

أخيراً لعلّ من المناسب ان نسجل هنا، ولمزيد من التأرخة والتوثيق ان الرئيس علي ناصر محمد حرص على ادامة علاقات وطيدة مع الشاعر الرمز، وعلى مدى أكثر من ربع قرن، ومن بينها على ما تحفظ الذاكرة، زيارته للجواهري في شقته المتواضعة ببراغ عام 1983... لتليها لقاءات وزيارات أخرى عديدة في دمشق الشام خلال الثمانينات والتسعينات الماضية، حين كان الرجلان يستقران هناك، ضيفين سياسيين مكرمين، ولسنوات عديدة... 

     للاستماع الى قصيدة  الجواهري الكبيراعلاه : يُتابع الرابط ادناه 

http://www.iraqhurr.org/content/article/1919429.html

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواهري والنار والحياة

رواء الجصاني   jawahiricent@yahoo.com

قبل اكثر من نصف قرن ، وفي شتاء عام 1957 تحديداً، كتب الجواهري دالية باهرة ،وقد كان حينها لاجئاً سياسياً في دمشق، وجاءت صورة " طبق الاصل " عن  حوار حقيقي، مع زوجته "آمنة" في جلسة مسائية عائلية حميمة:

ان عرسي وهي جامحة ، فجةٌ ... لون من الادب
جاءت الكانون توقده ، وبه جزل من الخشب
فوق بعض بعضها طبقاً ، لائذات .. صنع مُرتعب
ومشى برد الرماد بها ، كتمشي الموت في الركبِ
خلتها والعود يلمسها ، تثقل الكبريت بالعتبِ
فتأبت ، ثمة ارتعدت ، ثم اقعت ، ثم لم تثب
وانبرت من يأسها سكني "هرة" مفضوحة الغضب
قلت اذكي ويك شعلتها ، واريحيها من التعب
اطعميها الزيت يمشي بها ، مشية الكفران في السغب
فاستعاذت وهي قائلةٌ : ليس هذا الجدُ من لعبي

وإذ يتواصل الحوار، بين الرجل الجامح، المتمرد، مع الزوجة الرقيقة الوديعة، تقترب القصيدة رويداً رويداً من غاياتها بمنتهى التأنق والمهارة، وما الزيت واللهيب والنار هنا، سوى رموز ٍ أكثر من معانٍ بالغة الوضوح:

قلت هاتيه ، وثار لها ضرم كالبرقد في السحب
شبّ في مبيض سالفتي ، فكأني بعد لم أشبِ
وأتى وجهي فلطخه كخليط البسر والرطبِ
ومشت عرسي لتسعفني ، وكما شاءت ، لتشمت بي
هتفت: بئست مغامرة ، يا ابن ستين ٍ أنت صبي
رحت في حرف تزخرفه ، وعلى شيء سواه غبي
قلت يا هذي لو اخترمت ، مفرقي شقين لم اتب ِ
انا ذا من اربعين خلت ، اطعم النيران باللهب
فاذا خفت وضعت لها ، خير لحمي موضع الحطب

لقد ضمت هذه الدالية الباهرة ستةً وثلاثين بيتاً، وكانت أبيات القصيد فيها متداخلة في محاور الفلسفة والتفاخر والادانة والتنوير، ولكلّ منها موقعه، ورمزيته... ثم يحل وقت الختام، وتسديد الهدف المراد ،وفيه ما فيه من مغاز ٍ ومرام ٍ... وها هو الشاعر يحدد موقفه من التمرد والاقتحام، من اجل النهوض والشموخ، رائياً في النار ما رأى من موحيات جواهرية عديدة، وقال عنها محاوراً رفيقته:

انت قد اوحتك شعلتها ، ان توقي سوء منقلبي
وانا يوحي اليّ بها، ان تقحمني ، ولا تهب ِ
قد حببتُ النارَ على صعد ٍ وأثرتُ النار &