مقالات الأستاذ حنا شمعون
 
 


أضواء على محاضرة اللغوي روبين بيث شموئيل ، في شيكاغو

 

محاضرة لغوية قيّمة جداً ألقاها الاستاذ روبين بيث شموئيل وذلك على قاعة " شوتابوتا اومتانيتا اتوريتا" يوم الأحد المصادف 16/3/2014 وضمن فعاليات اللجنة الثقافية التي عودتنا مشكورة على مثل هذه المحاضرات الثقافية التي يحضرها دوماً جمهور النخبة المُحب لتراثه القومي.

 

المحاضرة كانت بعنوان "لغتنا الكتابية الجديدة" التي ابتدئها المحاضرالمحترم بنبذة تاريخية عن لغتنا المحكية المعروفة ذاكراً أنها ثاني اقدم لغة التي مازالت محكية  في العالم بعد اللغة الصينية. ثم قارن بين اللغتين المعروفتين ب " لشانا سوريايا" و " لشانا اتورايا" قائلا أنهما متشابهان، مترادفتان، متساويتان في الأصالة والدلالة. ثم تطرق بأسهاب الى اللغة المسماة  " سورث " المحكية بين عامة الشعب الآشوري والتي هي معتبرة كما أسلفنا ثاني اقدم لغة محكية في العالم ، هذه اللغة التي نسميها احيانا بلغتنا الحديثة لكن في بعض مفرداتها اقدم من لشانا سوريايا ، اللغة الأدبية والتي هي لغة كتابية نستعملها في الطقس الكنسي وغالبيتنا المطلقة لا نفهمها.

الاستاذ بيت شموئيل  ذكر لابد ان يكون "لشانا سوريايا"  اعلى شأناً من ال "سورث" لان الأول منذ البدء كان كتابي ومستعمل في الكنيسة وهكذا كان الامر مع لغة القران والتي هي أصلا لغة قريش أخذت أهمية وانتشار اكثر من اللغات واللهجمت المحكية في كافة البلدان العربية. لكن مع بداية القرن السابع عشر بدأ بعض الرواد بكتابة لغة السورث بأبجدية لشانا سوريايا [ اللغة السريانية ، حسب ترجمة كاتب هذا المقال]، واول نص كتابي بلغة السورث وصلنا هو من تأليف مار خنان ايشوع  مطرابوليط شمزدينان وذلك في عام 1591 وذكر المحاضر ان في حوزته نسخة من هذه القصيدة المكتوبة بلغة السورث. ثم توالت الكتابة في اللغة المحكية بما يسمى " دوركثا " اي القصة المحكية وفي هذا الصدد الوثائق تحفظ لنا كتابات هرمز القوشايا ( 1608 ) و اسرائيل القوشايا ( 1611 ) وهما طبعاً من القوش وكذلك يوسب جمال الدين (1662) من بلدة تلكيف.

ولكن الزخم الكتابي بلغة السورث لم يحدث الى حين مجئ المبشرين الغربيين في القرن التاسع عشر حين رأوا ان عامة مسيحيي كنيسة المشرق في اورمي وهكاري لا يدركون كاملاً معنى صلواتهم المكتوبة والمرنمة ب لشانا سوريايا [ اللغة السريانية] وهكذا أنشأوا المدارس التي درست فيها السورث المحكية كما جلبوا المطابع لطبع الكتب ومنذ ذلك الحين اصبحت اللغة المحكية لغة كتابية وحتى يومنا هذا.

الأستاذ بيت شموئيل لخص اللغة الأدبية لشعبنا الآشوري قائلاً انها ظهرت بأربع أصناف وهي تاريخياً هكذا:

- آشوري أكدي والمثال ملحمة كَلكَامش.

- ارامي بابلي والمثال كتابات أحيقار الحكيم

- سوريايا [ سرياني] والأمثال كثيرة ومنها كتب الطقس الكنسي [ الحوذرا وكزّا وأشعار مار افرام ومارنرساي وغيرها كثيرة ومعروفة/ الكاتب]

- سورث وهذا الذي تطرقنا اليه في هذه المحاضرة.

وفي الختام اتيحت الفرصة  للأسئلة ومنها كان السؤال الأول من قبل رابي هومر آشوريان وفي الجواب تطرق الأستاذ المحاضربأسهاب الى الكثير مما ورد في محاضرته ومنها الخطأ التاريخي في تسمية بلاد ما بين النهرين والحقيقة ان التسمية الأصلية " بيت نهرين" ترجمتها هي البلاد التي هي ضمن الأنهر، حيث ان " نهرين" هي صيغة جمع قِلّة  في السورث وهي "الانهر" شاملة دجلة والفرات والزابين والخابور..الخ، وليس فقط دجلة والفرات واعطى مثلاً قائلاً: أمن المُنصِف ان نعتبر اورمي واربيل والقوش ليست من من بيت نهرين لأنها ليست بين دجلة والفرات!!!

ازدات اسئلة الجمهور الكريم لتمتد المحاضرة لأكثر من ساعتين وانا لم ارى الضجر بادياً  في مُحيّاه الحاضرين-- حيث كنت اتجول في ارجاء القاعة لألتقاط الصور-- بل ظلوا مشدودين الى النقاش الجاري حول تشعبات هذه المحاضرة التي هي حقاً قيّمة جداً وألأستاذ  رابي روبين بيت شموئيل يستحق الثناء والتقدير في اهتمامه الكبير بلغة الأم وهو حالياً يستعد لمناقشة اطروحته وحسب ظني هي عن القصص المحكية " دوركياثا " في لغة السورث، لنيل الدكتوراه من الجامعة اللبنانية .نتمنى له التوفيق وهو المهندس الكيمياوي الذي  كان يأمن معيشته ورفاهيته من الأشتغال في شركة النفط العراقية، لكنه حين استشعر النقص في الدراسات اللغوية لقوميتنا الآشورية  ترك وظيفته وضحى بمصدر معيشته معتمداً فقط على معونة اخوته وتشجيع الغيارى من ابناء شعبه ،فأنصرف كاملاً  ليبدع في حقل اللغة السريانية. وهو الآن صاحب مؤلفات وتراجم وعضو في الكثير من المجامع اللغوية المحلية والعالمية .

الرابط الصوتي المباشر للمحاضرة

أو الرابط الصوتي للمحاضرة:

http://www.drivehq.com/file/df.aspx/publish/hshamoun/RobinBSHM.mp3Publish`

                                             حنا شمعون / شيكاغو                                             

 







سومر لاوندو تُطلِقُ ألبومَها الثالث
 
                                                    حنا شمعون / شيكاغو                   


اطلقت الفنانة سومر لاوندو من مدينة شيكاغو الأمريكية البومها الغنائي الثالث بعنوان "دندن قاديّ دندن" ويحوي على ثمان اغان جميلة، منها العاطفية الرومانسية ومنها الفولكلورية الراقصة المستمدة من تراث هكاري وتياري.
 الصوت الشجي سمة وهبة من الرب اتصفت بها سومر كبقية العائلة حيث ان اختها الكبيرة ليدا لاوندو فنانة معروفة ومبدعة وهكذا هو اخوها شابي لاوندو الغني عن التعريف، وهكذا ايضا في اعلى سلسلة القرابة  تقف ابنة العم واميرة الغناء السرياني جوليانا جندو، وهم جميعاً لأآلي تيارية تلمع كالنجوم في سماء الأغنية السريانية بلهجتيها الشرقية والغربية .
اسماء معروفة من كتاب الكلمات وملحنين بارعين ومشهورين في التوليف الموسيقي، كلهم ساهموا في رفع المسوى الفني لهذا الألبوم الممتاز. وهذه الأسماء هي: المرحوم بن ( بنيامين) ملكو، يونان هومه، فهد اسحاق، جوزيف عتو و جورج دنخا، ليدا لاوندو، جان دشتو، يونان آدم، ثائر فريد، شادي ادور موسى، وليم شليمون، وشاهين كريكوريان.
سومر كتبت على غلاف الألبوم تشكراهلها والأصدقاء والصديقات لتشجيعهم لها في انتاج هذا الألبوم الغنائي وقد اهدته الى روح زوج اختها، الشاعر المرحوم بن ملكو الذي كان مشجعاً  وسنداً قوياً لها . كما شكرت مجموعة "الكورس" التي غنت الردات معها وأبدعت في الأداء.
في الحقيقة كان قراراً صعباً ان اختار اغنيتين فقط من هذا الألبوم الرائع لأن كل اغانيه جيدة وتستحق الأختيار ولذا ادعو القاريء الكريم ان يستمع الى هاتين الأغنيتين التي كان اختيارهما من غيرتفضيل،  حسب الرابطين الآتيين: 

أغنية خلولا : ܙܡܪܬܵܐ ܕܚܠܘܼܠܵܐ

أغنية خوبوخ لي منشيان:  ܙܡܪܬܵܐ ܕܚܘܼܒܘܼܟ݂ ܠܵܐ ܡܲܢܫܝܼܵܢ

مع تمنياتي للمطربة سومر لاوندو لمزيد من الأبداع،
                          حنا شمعون / شيكاغو                   

 


الميلاد والسلام 

 

جاء في الإنجيل المقدس في حين ميلاد المسيح ان جوقة من الملائكة ظهرت فوق المغارة التي ولد فيها الطفل "عمانوئيل" مُسبِحة بالعبارة : "المجد لله في الأعالي وعلى الارض السلام وبالناس المسرة" لوقا 2-14 . هذه العبارة اصبحت فيما بعد شعار يرفع فوق أية مغارة تقام لهذه المناسبة التي تهز بالمسرة أركان العالم اجمع. لكن السؤال يبقى هل حقاً ان ميلاد المسيح كان بداية انطلاقة السلام بين شعوب العالم والجواب لن انتظره من القاري الكريم بل سأجيب من عندي. ان هذا لم يكن الواقع وربما ان ارض الواقع  بعد الميلاد كانت اكثر قابلة للحروب والنزاعات. فاين نحن من السلام الموعود من قبل الملائكة وها قد مر اكثرمن ألفين من السنين والسلام لم يتحقق ولو لزمن قصير .

 

المسيحية ليست كبقية الأديان ففي ثناياها يكمن سر الخليقة وسر العلاقة بين الخالق والمخلوق.، والسلام الموما اليه في ترنيمة الملائكة ليس السلام الارضي الذي نصبوا اليه وطالما تمنيناه ، انه سلام ازلي وهو اعظم من السلام الارضي فهو سلام ومصالحة بين الخالق ( الرب القدوس اسمه ) وبين المخلوق  ( الانسان من ذرية ادم ) اثر خطيئة ادم المعروفة في الأديان السماوية. تصوروا ان احد الأبناء تمرد على ابيه الذي يعيله كما جاء في مثال الابن الضال-- لربنا يسوع المسيح -- وحين انقطعت السبل بالابن العاق هذا وبدل من ان يموت جوعاً رجع الى ابيه، وابوه عفا عنه وصالحه بأعظم ضحية  وهي العْجِل المُسمَن، لوقا 11:15- 32 . اي غفر له وصالحه وحل السلام بينهما، وخير من ان يكون الابن في عداد الموتى اعطاه ابوه فرصة ثانية للحياة. هذا هو نوع السلام الذي رددته الملائكة في مولد المسيح. 

 

ان ولادة المسيح التي تمر ذكراها في مثل هذه الايام هو المصالحة العظيمة التي تحققت ومعها جاءت العبرة والمثال الصالح  في ان نقتدي كبشر بالإله الذي سامحنا كي نتعلم نحن ايضاً ان نسامح إخوتنا وفي ذلك نخطوا خطوة نحو السلام الأرضي الذي نصبوا اليه. المسيحيون في الصلاة الربانية يتلون قائلين: "اغفر لنا كما نحن ايضاً نغفر لمن اخطأ إلينا". اي علينا ان نتعلم من مثال  الخالق ان نسامح من اخطأ إلينا وحين يأتي التطبيق لهذه الصلاة يأتي السلام منطلقاً من القلب الخاشع ، ينشر لمحبة ، محبة القريب، محبة مختلف الأجناس ومحبة من أخطأ إلينا وفي القمة ،  ومن غير عجب، محبة أعدائنا.

هذه هي المحبة حاضنة السلام في المجتمع والتي اِن طبقناها كاملة في حياتنا اليومية فإننا نحول مجتمعاتنا الى مجتمعات مثالية تنعدم فيها الفوارق الطبقية والمادية  والكل يصبح سواسية فلا يكون من بيننا من يسرق او يتحايل، او يقتل ولكن المثالية حالها حال المطلق لا يمكن تحقيقهما في شاكلة الحياة التي نعيشها.  لندع المثالية  والمطلق جانباً ونتقيد بالمحبة بقدرالمستطاع في افعالنا ومن اعماق القلب لانه ومن دونها تسوء الامور اكثر ويفسد المجتمع أكثر. حين تغيب المحبة كمبدأ في مجتمعاتنا المعاصرة ، حين لا نفهم الدين كعلاقة بين الخالق والمخلوق حينذاك نستسلم للأبليس الذي هو رمز الشر ليقودنا للحقد والكراهية وهذ يتجلى في ما يقترفه الارهابيون في ايامنا هذه في كل من العراق وسوريا بشكل خاص وفي مختلف انحاء العالم بشكل عام.

 

ماذا عن الثورات والحروب التي هي الاخرى تعتبر من سنن الحياة شئنا ام أبينا والتي لم تفارق البشر منذ بداء الخليقة ولحد اليوم . ما اتعس العيش في خضم ويلاتها التي منها القتل، التشرد وهجرة الأوطان. بهذا الصدد ماذا اقول عن أطفال سوريا الأبرياء وقد شردتهم الحرب الضروس لما يقارب الثلاث سنوات، خائفون جائعون يعيشون بلا مأوى  في هذا الشتاء القارس.  هذا ان لم تُغتال براءتهم امام أعين ذويهم.

الحرب هي نقيض السلام فأين هو موقف المسيح والمسيحية من السلام؟ الطفل الذي نعيش ذكرى ميلاده هذه الايام ، ويسعدنا ان نحتفي به،  حين كبُرَ لم يحمل يوماً من الأيام سيفاً ولا سلاحاً بل منع خليفته ، بطرس، من استعمال السيف وحتى انه لم يقاوم الذين امسكوه ليُحاكم ومن ثم يُصلب، بل انه اسلم شخصه الى الذين ظمروا الشر له. هل من تطبيق للسلام أكثر من هذا؟

ضمن وصاياه لنا -- في موعظة الجبل -- وصية يستحق الكتاب الذي وردت فيه جائزة نوبل للسلام، في مرة من المرات على الأقل . هذه الوصية هي : "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدّعون" متى 5-9 . ابدع ما في هذه الوصية انها تحث المسوؤلين واصحاب القرار من اي جنسية وأي دين وفي اي زمان ومكان الى صنع السلام. انها تكافئ صانعي السلام بأعلى وسام سماوي يفوق جائزة نوبل بما لا يحصى من مرات لان الله سرمدي ومكافأته سرمدية. هذا هو وعد المسيح لكل من يطفي سعير الحروب، لكل من يعمل الى تهدئة الصراعات قبل ان تستفحل، ولكل من ينزع فتيل المشاحنات .. الى صانعي السلام، فطوبى لهم.

طفل المغارة " عمانوئيل " الذي ولد في مثل هذه الأيام والذي سجد له الرعاة والملوك ( المجوس ) والذي جاء ببشرى السلام السماوي ومن ثَم اوصانا بصُنع السلام الأرضي، يستحق منا ايضاً السجود والشكر والأهتداء به ، وتلكم خير هدية نقدمها له لمناسبة ميلاده.

         

 
في اربعينية المرحوم سعيد سيبو، المثال الانساني

وهل يموت من هم على شاكلتك ياعزيزي سعيد --أبا نينوس--  يا من كانت حياتك الأرضية مثال الانسان الذي ذكراه لا تزول  حين يفنى الجسد. تركت ارثاً من الخصال الطيبة وأعظمها تلك التي جعلتَ من أبناء قومِك عائلتك الكبيرة في مجتمع راس المال والتنافس المصلحي.  رغم تخرجك لتنال شهادة الهندسة  الكهربائية والتي لا ينالها في العراق الا الاذكياء والمجتهدين، فقد قبلت ان تتنازل عن شهادتك وتشمرعن ساعديك  لتصبح ذلك الناجح والمتفوق في ادارة اعمال الاسواق توزع ثمرة نجاحك على أبناء قومك المهاجرين، تشاركهم المحنة وتلقنهم سرالمهنة كي يقفوا صامدين امام عاديات الزمن العصيب.

سعيد كنت نجماً سطع في سماء سانت دييكو ، وهناك احترقت كي تضيء الطريق للذين عرفوك "داينمو" اجتماعي . وانا عرفتك انك كنت مبعثاً للحركة الدؤوبة تتعدى مدينتك الى شيكاغو وديترويت والى الوطن حيث القوش ام القرى التي كنت تحن دوماً اليها  والتي كنت تتكلم بلهجتها المميزة والجميلة .

سعيد فُحتَ عطراً وكنتَ ربَّ بيتاً  مباركاً بثمرة عملك وجهودك الحثيثة، وفي اُسرَتكَ المفجوعة بفقدانك نشأ انيكدو ابنك المولود في امريكا ليكون في المستقبل القريب كاهن الكنيسة الكلدانية وهذا -- مع كل الاسف-- امر نادر في امريكا، ولذا فانه فخر عظيم للعائلة التي ارسيتَ  أُسُسِها على صخر صلد.

وفي اجتماعات أرباب العمل والثقافة كنت فواحاً ايضاً ولولباً تشخص المشاكل وتطرح الحلول لازدهار مستقبل الجالية .  كنت دوماً تنشر الثقافة وتشجع المثقفين وتدعوا بشدة الى الوحدة ونبذ الخلافات والى التشبث بالاصل. ايمانك كان: ان الأغصان مهما تشعبت وافترقت لكن يبقى  جذعها واحد وتبقى الجذور هي التي تبعث الحيوية في نسغ تلك الأغصان .هذه كانت الجذوة التي كانت تستعر في ذهنك على الدوام، وهذا ما أتصوره عنك من خلال احاديثك الهاتفية معي حين كنت تشجعني على التحرك في هذا الاتجاه بمدينة شيكاغو.

 كتبت الشعر وكلمات الاغاني كي تعبر عن مشاعرك  وتعبر عن حبك وافتخارك بلغة الام التي هي عصب الانتماء القومي. أيها النجم الساطع الذي كان مولده في القوش-- مركز ثقافتنا الدينية والقومية-- ذكراك سوف تحيا دوماً في لحف جبل القوش الصامد هناك من البدء والى الأزل ومع تلك الآثار التي يضمها والتي هي من رموز التاريخ الألقوشي العتيد.

سعيد، اخيراً وليس اخراً تحملكَ بصبر للآلام  والمرض وحملكَ للصليب كما حَمله مُعلمك يسوع يجعلك عندي مثالاً للإنسان  المسيحي . كنت تكلمني وانت تدري بمصيرك المحتوم  وهو يدنوا إليك يوماً بعد يوم، ومع هذا ما لمستُ منك اليأس ولا التذمر قط، بل كنتَ ذلك السعيد الذي يقبل بمشئية الرب. بقيت تسامر اصدقائك وتتلهف بوجه بشوش الى رؤيتهم والتحدث اليهم في مواضيعك المفضلة والمختزلة في كلمتي:  "أثرا وأُمثا" اي الموطن والأمة.

على فراش الموت ودعت عائلتك  وأصدقائك مبتهجاً بزفاف نينوس ومن ثم سلمتَ روحك للمُخَلِص يسوع، لتبقى في ذاكرتي -- قديساً اشتراكياً اضافة الى كونك المثال الانساني.

يا جبار امة السورايي في حياتك الأرضية نبذتَ الأنانية  وحب الذات وشاركت ابناء امتك في محنتهم وكنت تنادي كل منهم وحتى ضعيفهم مثلي بصفة " كَبّارا" كي تبعث فينا النخوة ، ثم ودعتنا يا كَلكَامش المسيحية -- يا ابا انكيدو-- بروح القداسة الى عالم الخلود.  

 
                                                                                       حنا شمعون / شيكاغو




للأستماع الى القصيدة الواردة أعلاه ، أنقر هنا لطفاً:

سعيد طوسا ناشايا:
ܣܲܥܝܼܕ ܛܘܼܦܣܵܐ ܐ݇ܢܵܫܵܝܵܐ

 


قراءة متأنية في كتاب "الكلدان المعاصرون والبحث عن الهوية القومية"
بقلم:  حنا شمعون / شيكاغو  

 

الكتاب هو من تأليف الدكتور عبدالله مرقس رابي وهو دراسة سوسيوانثروبلوجية كما جاء مضافاً الى عنوان الكتاب وصدرت الطبعة الأولى للكتاب عام 2001 . وعليّ ان اعترف مقدماً ان هذا لمصطلح الطويل " سوسيوانثروبولوجي" ليس لي اي المام واسع به فأنا مجرد قاريء بسيط تعجبني قراءة التاريخ ورايت العنوان جذاباَ للاطلاع على راي الكاتب المحترم الذي يبدو انه يريد اثبات هوية الكلدان المعاصرين. وقد كتبه وهو في عمان، الأردن وبعيداً عن رقابة السطات البعثية العراقية مما يعني بالنسبة لي ان المؤلف كتب كتابه بملئ الحرية ومن دون اي ضغط قد يؤثر في الغاية المرجوة من تأليف الكتاب.

في البداية لا بد ان اثني على جهود المؤلف في الأمانة العلمية التي تحلى بها وخاصة في ذكرالأحداث التاريخية معتمداً على المصادر الكثيرة والتي تعدت الثمانين. ويستعرض الكتاب موجز للعصور التاريخية في بلاد النهرين مفضلاً هذه التسمية على  بلاد ما بين النهرين  التي تحصر البلاد بين النهرين فقط. غايتي من هذه القراءة هو متابعة الكاتب الموقر حول الجذور التاريخية للكلدان لأني انا شخصياً محسوب على الكلدان المعاصرين رغم اعتراضي الشديد على هذا الحساب، وكي لا اوصف بالعناد والتهرب من هذه القومية التي لا أجد ما يشدني اليها، رأيت ان أتفحص هذا الكتاب مليئاً حيث أعرف المؤلف شخصياً وله احترام كبيرعندي وعند عائلتي وقد تحدثت معه في كثير من الأحيان وبقينا أصدقاء رغم اختلاف اراءنا في الأنتماء القومي لكلانا.

ثلاثة أسئلة يطرحها المؤلف  الدكتورعبدالله رابي وهي في حلاوتها  بالنسبة لي عسل على تمر لأن الجواب عليها هو مايشفي غليلي لمعرفة لماذا يتجاوزالأخوة الكلدان المعاصرون حدود المنطق والمعقول حين يصرّون انهم كلدانيون وهم يعيشون في ارض آشور لألاف السنين، وحين توارثوا اسم السواريي المشتق بديهياً من كلمة آشورايي ومع هذا يتنكرون للآشورية ويقبلون الكلدانية بديلاً لها. هذه الأسئلة المهمة هي: 1- من هم الكلدان المعاصرون؟ 2- كيف نميز بين الكلدان والآشوريين المعاصرين ؟

ليس غريباً على كاتب يلتزم المنهجية العلمية ان يتغافل عن ذكر ما يتباهى به آخرون من ان الكلدان وجدوا منذ بدء الزمان وان ابراهيم الأب الروحي للعالم هو الأب الجسدي للكلدان وهكذا ايضاً فان المسيح هو من سلالة ابراهيم ومحسوب على الكلدانين.

أول ذكر للكلدان في هذا الكتاب جاء هكذا: الدولة الكلدانية وهي الدولة التي قامت في البداية في جنوبي بلاد النهرين على ايدي القبيلة الأرامية (كلدو) سنة ( 626 ق.م )...، لكن الأستاذ عبدالله في معرض استعراضه للمحك الجغرافي اراه كأنه يقول ان الحابل اختلط بالنابل ولا نستطيع الأعتماد على الجغرافية لتميز الكلداني من ألآشوري فيكتب هكذا: تشير الحوليات الآشورية الى ان أكثر من (400) الف كلداني من الممالك الكلدانية أسرهم الآشوريون في عهد سرجون الثاني ( 721-705 ق.م) ، وتم توطينهم في بلاد الآشوريين. ثم يضيف ايضاً وهكذا عمل سنحاريب وأسرَّ (20800) عشرين الفاً وثماني مائة كلداني وجاء بهم الى بلاده، وللعلم فقط ان سنحاريب هو ابن سرجون الثاني. السؤال هنا كيف ان القبيلة الأرامية ( كلدو) ازداد عدد افرادها في اقل من مائة عام ليؤسر منهم في حملتين فقط أكثرمن من 400,000 فرد، ثم لماذا نصدق مايُكتب في الحوليات وكأن ذلك كُتِب بنزاهه مؤرخ حاصل على جائزة نوبل في التاريخ!! هنا ارئ ازدواجية في التفكيرلدى كاتبنا الموقر فهو في الوقت الذي لا يريد الأعتماد على التاريخ في تقرير الهوية القومية للكلدان المعاصرين لكنه في نفس الوقت يحسب مسألة الأسرى المبالغ بها حجة لوجود الكلدان المعاصرين في غير موطنهم الأصلي فيكتب: لو اعتبرنا سكان المناطق المحيطة بنينوى هم آشوريون ، فما هو مصير الاف الكلدان الذين اسروا من قبل الملوك لآشوريين وجاءوا بهم الى ديارهم الآشورية؟ وبهذا الخصوص اود ان اضيف ان هذا المحك لا يصح الأستناد اليه فكل من الكلدان والآشوريين كان لهم منطقتهم الخاصة وحتى بعد سقوط الدولة الآشورية وذلك استناداً لما اورده الكاتب بنفسه، اذ كتب: وتم الأتفاق بين المتحالفين الميدي والكلداني على اقتسام تركة الأمبراطورية الآشورية بينهما فكانت المناطق الشمالية الشرقية من نصيب الميديين، والمناطق الجنوبية الغربية من نصيب الكلدانيين.

 وفي مكان آخر يستنتج كاتبنا الموقر وضمن المحك اللغوي: وقد يكون هذا مؤشراً يجعلني اقول - مايثير الدهشة والعجب- ان الآشوريين المعاصرون هم اراميون والكلدان المعاصرون هم آشوريون!

وفي المحك الديني ايضاً يجد الكاتب صعوبة في الأعتماد على المذهب لتفريق الكلداني من الآشوري فيفيدنا ان النسطورية بدأت في منطقة بلاد النهرين الوسطى في بلاد بابل الكلدانية الحديثة ومنها انتشرت الى البلدان الأخرى بما فيها منطقة نينوى، وكانت رئاستها بيد الكلدان في كنيسة ( كوخي ). طبعاً هو يريد ان يقارن هذه المعلومة بما هو معترف عليه حالياً ان المُدّعين بالآشورية اغلبهم نساطرة او ان الآشورية منشأها هو المناطق النسطورية. فيستخلص انه لا يمكن التفريق بين الكلدانيين والآشوريين على اساس المذهب الديني.

امام كل هذه المعوقات او المحكات كما يسميها الكاتب -- ولو اني غفلت الحديث عن المحك العرقي الذي خلاصته وحسب ما اورَده ان فكرة الجنس الخالص ما هي الا خرافة لاوجود لها الا في الذهن-- نراه يأتي بنظريته الخاصة للأجابة على السؤالين الواردين أعلاه وطبعاً هذا هو اسلوب منهجي رائع في ان يأتي الكاتب على ذكر المعضلة ومن ثم ايجاد الحل لها، لانه لحد الآن من قراءة الكتاب يعتبر التمييز بين الكلداني والآشوري ضرب من المستحيل. لكنه فيما يلي من الكتاب يحاول الكاتب ان يثبت لنا ان المشاعر القومية-- الفردية والجماعية-- هي الحكم في تقرير الهوية القومية لأي فيئة من المجتمع فنراه يكتب: التنشئة الأجتماعية للفرد هي التي تكسبه الشعور القومي والأنتماء القومي، حيث لا يرث الأنسان قوميته بالولادة، فليس كلدانياً بالوراثة، ولا آشورياً... وضرب مثلاً  يقول فيه لو ان طفلاً كلدانياً نشأ وعاش في أحضان عائلة آشورية فماذا تكون هويته القومية؟ ان المثل في هذه الحالة  ليس ذلك القويم لأن الكلداني والأشوري حسب رؤيتي هما من قومية واحدة وانى كانت تسميتها، ولكن لو ان استاذنا عبدالله صاغ مثله هكذا: لنفرض أن طفلاً ارمنياً نشأ وعاش في بيت آشوري، فجوابي حين ذاك ان الطفل يبقى ارمني الأصل ولا داع  من الحيرة في ذلك وايجاد نظرية حوله، ولكن لو ان احفاد الطفل هذا عاشوا في بيئة الآشوريين لمئات او الاف السنين فبلا شك في هذه الحالة ان الأحفاد سوف يعتبرون آشوريين وهذا هو حال الكلدانيين الأسرى الذين ورد الحديث عنهم في هذا الكتاب.

بكل الأحوال كي يجد الكاتب حلاً لمعضلة المَحكات هذه فأننا نراه يقوم بأستفتاء ميداني ل300 فرد كلداني حين كان عالقاً في الأردن عام 2001 ، ولست أعرف كيف قرر انهم كلدان مقدماً وسألهم اسئلة تتعلق بقوميتهم وكانت النتيجة ان الغالبية الساحقة من هذه المجموعة تشعر وتؤمن انهم كلدان وليس اشوريين او سريان او اراميين. وبذا وجد الحل العلمي ووفق المنهجية العلمية ليقول انه هناك قومية ثالثة في العراق هويتهم هي " الكلدان المعاصرون". لا اظن ان اي جهة علمية سوف تقبل بمثل هذا الأستفتاء لأنه باعتراف الدكتور عبدالله هؤلاء كانوا كلدانناً  الذين لا احسب انهم كانوا بدرجة من الثقافة والأطلاع ان يعرفوا أصلهم وفصلهم. انا أقترح على الدكتورالفاضل ان يراسل 300 عراقي مسيحي من خريجي الكليات منتقين بطريقة عشوائية وسوف يجد نتائج مخالفة لأستفتائه الأول.

الدكتور عبدالله مهد الطريق امام استفتائه هذا بنقض ما استنتجه من المحكات الأربعة الواردة فكتب: طالما ان المقومات متوفرة، من اللغة والثقافة والأقليم الجغرافي والتاريخ المشترك، والأرادة الشخصية لتمييز الكلداني عن غيرهم ، فأذن لا يمكن انكار وجود قوم يعرف بالكلدان او قوم يعرف ب ألاشوريين. انه تناقض واضح لأن المقومات غير متوفرة كما أقرّ واعترف وأسهب هو نفسه حسب ما جاء في شرح المحكات التي تحول دون تمييز الكلداني من الآشوري.

في الفصل التالي يعدد الكاتب المحترم اسباب ضعف الشعور القومي لدى الكلدان ويذكر ستة منها وهي واضحة ويعرفها الجميع من غير الأستدلال عليها من صفحات هذا الكتاب ، لكني اريدان اقف وقفة ناقد امام السبب السادس والأخير وهو ان من اسباب ضعف الشعور القومي هو التصور الخاطئ ، ان الكلدان طائفة دينية وليس قومية. في رأي الشحصي هذا هو عين الصواب وأظن ان استفتاءه برهن ذلك، اذ انه على مايبدو اختار شريحته من الكلدان كما اورد هم جميعاً بلا شك  كاثوليك.

هذه هي خلاصة هذا الكتاب الذي يعتبره المؤلف والكلدان المعاصرون انه سندهم لأثبات هويتهم القومية في الوقت الذي اراه انه يثبت عكس ذلك ليشكلوا طائفة دينية فقط وليس قومية ،وذلك يتجلى في اعتراف الكاتب بشكل واضح ان التنشئه ورفض الآشورية من قبل الكلدان المعاصرين هما عاملان اساسيان لأثبات الهوية القومية للكلدان. وقد اكون المخطئ او يكون كاتبنا الموقرهو المخطئ، لكن اضع هذا الأمر امام  أعين كل قارئ مثقف ونزيه ليقرر ذلك بنفسه.

                                                                                                         حنا شمعون / شيكاغو       


طلال كَريش، نجم من القوش يتلألأ في سماء الأغنية السريانية



الألبوم الثالث الذي اصدره الفنان الألقوشي طلال كَريش والذي كان بعنوان   X Love يعد واحد من الأبداعات الفنية التي تستحق التعريف بأغانيه .أغاني هذا الألبوم الذي صدرعام 2008 تحتل مكاناً مرموقاً في قائمة الأغاني الآشورية ( السريانية) الغيرالزائلة والتي كلما عتقت كلما زادت لذة طعمها  مثل خمر من نتاج كرمة ربان هرمز. أذكر هنا كرمة ربان هرمز لأن هذا الألبوم يحوي على أغاني من القوش ، لهجةً وتراثاً ، ليتسع حقل اغنيتنا السريانية التي كنا نسمع معظمها بلهجة  آثورية من اورمي او تياري، ويشمل الأصدار هذا على أزليات غنائية من القوش ام قرى السوراييه/ الآشورية.

تشتهر القوش بكهنة وشمامسة وعلمانيين ذوي اصوات شجية بلغوا قمة الأبداع في التراتيل الدينية وفي اداء خدمة القداس الذي حلاوته عند الكثيرين اضافة الى روحانيته هي تلك الألحان العريقة والبديعة التي حفظتها لنا كنيسة المشرق من زمان افرام السرياني ونرساي الملفان. اذكر من هذه الأصوات المطران افرام بدي ،  القس يوحنا جولاغ ، الشماس متيكا حجي،  الشماس عيسى حداد والفنان فاضل بولا. وقد عرفت القوش الكثيرمن الأصوات الغنائية منذ منتصف القرن الماضي وحتى نهايته ولكن لم ترتقي الى مستوى الشهرة ولم يتعدى اصحابها حدود مجتمعهم الألقوشي وفي هذا الصدد يذكر الأستاذ نبيل دمان اكثر من ثلاثين صوتا خلال الفترة المذكورة  وذلك في مقالة طويلة جاءت في كتابه الموسوم " حكايات من بلدتي العريقة ". ورغم سلبيات الهجرة القسرية التي حلت على شعبنا الآشوري ( السورايي) فان احدى الحسنات هو المصير المشترك في بلاد الأغتراب والصهرالذي حل ابناء شعبنا عبر الزواجات والحفلات والمناسبات الأجتماعية وأكثر من ذلك احتكاك الفنانين من مغنيين وموسيقيين وكتاب الأغاني من مختلف الفئات والطوائف ومع سرعة وسهوله التواصل الأجتماعي عبر وسائل لأعلام والأنترنت، فأن كل هذا الأمور ساعدت على رواج الأغنية السريانية وبالتالي الى حصول عملية التنافس فيما بين فنانينا وما هذا المقال المتواضع الا فرض عليّ لأوروج الى الأفضل من هذه الأغاني والتي الواجب يحتم الى فرزها ورفع سمعتها.

من أغاني هذا ألألبوم الرائع والتي نالت الشهرة بأستحقاق هي  كَوزا وكَاود دكَوزا وهي من تأليف تلحين شقيق طلال وهو الفنان نبيل كَريش وجاءت الأغنية كاملة بلهجة القوش وزينها بأمثلة تراثية وأخرى مستمدة من التراث. كلها تخدم الفكرة الشائعة في مجتمعنا وهي ان البنت هي شبيهة امها دوماَ. أمثلة عديدة حوتها هذه الأغنية من تراث السورايي فيقول: بورمثا كيبا لكما.. وبراتا كبلطا ليما وبرمثا هي احد الأسماء من لغتنا الأصيلة وتعني القدَر او اي آنية للطبخ اوالحفظ.  وماذا عن " تري صبري دخ دكَناذي.. ليبوخ برشتي مخذاذي " تعبير جميل ويعني التشابه ، ولكن التشابه بأدق صوره يأتي عبر اخ يمح خورتا ختلكَا.. بقلا بلئا بلكَا. ولمحبي القافية القوية من أمثالي فلا بد ان يسطروا كلمات الأعجاب للكاتب نبيل الذي سهل الأمر لأخيه طلال لأداء هذه الأغنية وسهل علينا نحن المعجبون لحفظ وترديد مقاطع الأغنية عن غيب القلب.

وبقي ان اسطر كلمات الروعة التي تتليها المجموعة وهي هكذا: كَوزا وكَاود دكَوزا.. عزيزتي كاود دكوزا..ان كيلت كولي شوبرح ..

بينث وردة لمرقوزا،  وترجمتها  النصية :جوز وداخل الجوز.. عزيزتي داخل الجوز.. ان قِستَ جمالها فقِسههُ .. مع وردة الجنبد والنرجس.

الأغنية الألقوشية الثانية هي  دركَي دخاني  وهذه الأغنية تبهرني وتحيرني كثيراً. رغم اني لم اختبر الخان الا من ذكرى تطوف في ذهني كالحلم وانا طفل صغير حيث كانت الغرفة العليا التي استأجرتها المرحومة والدتي في اتوك ( دهوك ) بعد الهروب من منكَيش في اوائل الستينات من القرن الماضي، والتي كانت تطل من بعيد على الخان الذي كنت ارى ساحته الفسيحة وبعض البغال المربوطة هنا وهناك. الخان هو  سوق " العلوة " المعروف لدى اهل المدن الكبيرة ومنها بغداد، بطبيعة الحال. ولكن دركَي دخاني لم يعرف الأختصاص فأليه  كان يَفِد من قرى الشمال تجار الماشية والحبوب والفواكه والمجففات وغيرها من البضائع..هذا في الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي. الأستاذ نبيل دمان يصف الخان وسوق القوش في كتابه المذكور اعلاه بدقة متناهيه ويذكر فرداً فرداً من أصحاب الخانوات ودكاكين السوق المجاور، منذ عشرينات القرن الماضي. لم احص الأسماء المذكورة لكثرتها ولكنها أخذت حيزاً تجاوز الخمس صفحات من الحجم المتوسط، انه الأخلاص في تقديم المعلومة وان كانت تستهلك الجهد والوقت والمال، انه تراثنا الأصيل وعلينا الحفاظ عليه فهو مقدس وللأجيال القادمة فهو شرف وناموس. هكذا ايضاً لم يألوا كاتبنا العزيز نبيل ممو كَريش جهداً الا وبذله لتقديم اروع اغنية بلغة السورايي تحكي بشكل مسرحي وموسيقي. يصعب علي تصديق ان احد ابناء جلدتي يحمل كل هذه الموهبة في التلحين والمهارة الموسيقية، ولكن الشكر كل الشكر للرب الذي الّهم  نبيل.. الموهبة للحفاظ على تراثنا الجميل. كل التأثيرات الموسيقية اللازمة وظّفها الأخوان طلال ونبيل في مقدمة الأغنيه: نداءآت البائعين، اصوات الماشية وحتى العصافير السارحة في  صباحات القوش سمعناها في مقدمة أغنية الخان والذي يفصل السوقين الذي يرتادهما المساكين الطيبين من أهل القوش لشراء حاجياتهم والأسعار هي حسب طلب السوق وليس حسب جشع الأنسان كما تقول كلمات الأغنية. وصفٌ جميل ليوميات الخان والسوق والأسماء ذُكرتْ لتتوافق مع القافية وهي حسب اعتقادي حقيقية : جبو زقانا يتوافق مع برشلي وانا من وانا، الياس برد شلي يتوافق مع ولي شلاما وشقلي. اين هذه القوافي من التي اسمعها في بعض الأغاني القاصرة حيث قوافيها على شاكلة: ماطينا ، قطلينا، باخينا، و زمرينا أو أمرنوخ، كبنوخ ، مخبنوخ، زمرنوخ!!! لا أدري كيف تسمح اذاعاتنا ووسائل اعلامنا ان تبث مثل هذه الأغاني لكن للأسف انها تفعل ذلك.

عفوا اني عكرت نقاء اغاني طلال كَريش بمثل هذه القوافي، ولنعد الى جماليات اغنية دركَا دخاني التي فيها أحد الحضور ممثلاً بشخصية " خيرو دبي بلو" يشحذ همم  بقية الرجال حين ينادي في وسط السوق:  دقرولي قصاوي.. كيلي ان كَوري طاوي؟ وكأن العظمة كانت دوماً في السلف لحين الرجوع الى عهد امبراطوريتنا العتيدة، وهذا ما يردده لحد الآن الغيارى على مستقبل امتنا، مهما كانت تسميتها.ألأغنية هذه على ايقاع رقصة الخكَا يقورا حيث ان " الدولا والزرنا " حاضران بقوة ومجرد سماع صداهما هو مبعث النشاط في الراقصين سواء الذين في الرتل او الذين على هواهم يرقصون الديواني.

في الأغنيتين السابقتين، يتبين للمستمع الأداء الحرفي العالي للفنان طلال ممو كَريش فلو اطلعنا الى هيئة كلمات الأغنيتين فهي مكتوبة بصيغة النثر المُزيّن بالقوافي الجميلة حين تقتضي الحاجة، عكس ما اعتدنا عليه في الأبيات الرباعية المكتوبة بصيغة الأوزان حيث تأتي القافية في نهاية الشطر وكل شطرهو على وزن الذي سبقه ولذا فأن غناءه سهل -- خاصة ان وزع اللحن على بيت واحد فقط-- وكلما ما يحتاج اليه المغني هو الصوت الجميل لأداء الصدروالعجز وهو في الحقيقة الفلكلور الشعبي ويتجلى في الأغاني المعروفة: باكَيي ،سولافي ،كَلبارا وغيرها. اما في كَوزا ودركَي دخاني فالشخص العادي يمكن ان يتلو مقطع او مقطعين او الردة، لكن اداء كامل الأغنية فلا يقدر عليه الا المغنون المحترفون ومن هنا يقال ان ملحن الأغنية هو فلان الفلاني. ان الأداء الجيد الذي هو ربط توزيع الكلمات على اللحن والعكس صحيح يحتاج الى مهارة وخبرة وتدريب وأظن ان طلال اجتهد كثيراً لجمع كل هذا من أجل ان يقدم الأفضل ومن اجل ان يكون بحق مغني ماهر وفنان أصيل.

الأغنية التالية وهي من الفلكلور وبلهجة القوش، فيها اللحن الجميل موزع على ثلاث ابيات رباعية وقد ابدع نبيل الكاتب والملحن في توزيع اللحن العريض لتصبح الأغنية ثورية  وجهورية تليق ببطل من ابطال امتنا الذي احب قريته وامته و وطنه، انه الوطني الفذ توما توماس الذي اقترن اسمه دوماَ بأسم القوش والذي وفاءاً لدفاعه عن ابناء شعبه ووقوفه الى جانب الحق اقامت له بلدية القوش نصباً تذكارياَ يخلده. وفنانا الأصيل طلال هو الآخر خلده بهذه الأغنية الرائعة حيث تقول كلمات الردة: احد رجال قريتنا.. مشهور في كل القرى.. توما توماس الشهم.. تعرفه المعارك وتخنع له.

الأغنية الأخيرة  وهي بعنوان  أثرا دبابي التي هي بلهجة القوش ايضاً لها قصة لايعرفها الكثيرون ولذا فاني ارويها للقراء الأعزاء، طالباً السماح من ألأستاذ الأديب والفنان فاضل بولا لأني مجبر هنا لذكر اسمه وأمر يخصه.

حينما زارنا الأستاذ بنيامين حداد في شيكاغو لأجل تكريمه من قبل المجلس القومي الآشوري ( متوا ) التقيته وصرنا أصدقاء فهو كنز أدبي وحلوّ المعشر، وفي احدى جولاتنا لزيارة معالم شيكاغو اسمعته البوم طلال كَريش وحين جاء دورالأغنية الأخيرة في الألبوم أخبرني انه كاتب هذا الشعر الذي سبق وان غناه بنفس اللحن تقريباً -- وهو لحن كنسي -- القس المرحوم يوحنا جولاغ المعروف بصوته الجميل. قال ان القصيدة طويلة والمُغنى منها هوالقليل اما حكاية القصيدة فهو ان صديقه العزيز فاضل بولا بعد ان شد الرحال مهاجراً الى الولايات المتحدة الأمريكية عانى من ظروف الهجرة القاسية فبعث بشكواه اليه ( بنيامين ) وما كان منه الا ان يكتب هذه القصيدة السباعية الوزن وعلى لسان فاضل كي يُذكِره بمرابع الطفولة وتراث القوش الثري.

مع أنين الفايولين في بداية الأغنية  يرجع فاضل الى ارض ابائه، وذلك في شهر كانون الماطر والذي برده قارس وليله حالك السواد كما تقول الكلمات. ينقطع صوت الفايولين ويبدأ طلال بالغناء من غير موسيقى ولا مؤثرات صوتية. أداءه الرائع  بنغم مقام الرست يعوض عن الموسيقى . انه موسم رياح الشمال وهي تصفع شبابيك البيوتات الألقوشية ومع هذا فان مجرد سماع كلمة  بيث دبابي هي كافية لأن تجعل من الذكرى البلسم للمضي قدماً لتكملة رحلة الذكريات الجميلة من القوش: الأم تخبز وحولها الأطفال، الأب يحكي قصص البطولات، الليل الصيفي وصدى التراتيل المنبعثة من صوب المحلة العليا التي لا تفصلها الستارات لتستقبلها  بشغف طفلة تتكئ بوجه خجول على ستارة  بيتها من ناحية المحلة السفلى.. البيدرومحصوله يفرح فاضل وفي خضم فرحته يتمنى ان يكون هو تلك الريح الذارية ليجول ويصول في محيط القوش يرصد العمل المثمر لشباب وشابات القوش.

القصيدة الأصلية طويلة جداً ولضرورة الأغنية يختار طلال بدقة ما يريد ان يضمنه في اغنيته التي في منتصفها وبين مقطعين من غنائه نسمع دقات الطنبورالهادئة والمؤثرة كفاصل موسيقي وثم يعاود طلاال الغناء من غير اي عزف، فقط صوته الصداح ولسانه الفصيح.

هذه كانت اربع اغاني من تراث القوش مكتوبة ومغناة من اخوين لم ينسا قريتهما ولم ينسا الذين زرعوا حب قريتهم في قلوبهما فنرى طلال ومن على غلاف الألبوم يترحم على والده المرحوم ممو كَريش مع القس المرحوم يوحنا جولاغ فاليهما يعود الفضل في ظهورمثل هذه الأغاني التراثية. بالمناسبة فان طلال اهدى هذا العمل الفني حسب ما جاء في الغلاف لأبناء امته وخاصة اولئك المتشبثين بتراب بيث نهرين. اما انا ما دعاني للكتابة عن هذا الألبوم فهو نقد بناء من صديقي ورفيق دربي الأخ العزيز سعيد سيبو الألقوشي الطيب الذكر والذي هو حالياً طريح الفراش واصلي وأدعو الطيبين للصلاة من اجل شفائه العاجل، فقد عرفته دوماً المحسن والمخلص لقريته وامته. سعيد الشاعر والناشط القومي الوحدوي عاتبني حين كتبتُ قبل أكثر من عشر سنين مقالة طويلة  ومفصلة عن الأغنية السريانية ولكن غفلتُ عن ذكر ولو النزر اليسيرعن الأغنية الألقوشية بينما اسهبتُ مادحاً ومنتقداً الأغنية الآثورية وكأنها هي الوحيدة المعتبرة سريانية. العتاب كان يرن في مسمعي حتى سمعتُ اغاني هذا الألبوم وأغاني اخرى للفنانين فاضل بولا وأخيه لطيف بولا وكذلك الفنان ذو الصوت الجبلي الجميل مناضل تومكا فأيقنت صحة كلام صديقي سعيد سيبو وها اني المس ثمة منافسة تحتدم بين الأغنية الآثورية والألقوشية وهي من صالح اغنيتنا السريانية الشرقية، لأن في نظري ثمة اغنية سريانية غربية متمثلة  بلهجة طورعبدين.

بقية الأغاني جاءت باللهجة الآثورية بكل تفرعاتها، واولى اغاني هذا ألألبوم هي من كلمات آشور بت سركيس والحان طلال وحول مكانة آشور الفنية يسرني ان اترجم ما كتبه طلال بالأنكليزية : " الى الذي دوماً اعتبره رمزاً آشوريا وأسطورة حية بينا ، آشور بيت سركيس، اني احسب نفسي منعماً عليه ومكرماً لأن يكون صوتك العجائبي جزءاً من هذا الألبوم، وبأعتزاز اقول لك شكراً " . حقاً ان يحوي اي البوم صوت هذا العظيم هو مبعث فخر واعتزاز ، فقد دشن آشور بصوته العجائبي هذا الأصدار قارئاً مقطعاً من اغنية  " رخشو هيري/ مشاعرها التائهة " ، ليسلم راية الغناء الى طلال وهو على طريق الرمز آشور يؤدي الأغنية بامتياز رغم ان الكلمات هي ليست بلهجة القوش بل بلهجة اثورية من اورمي. الأنسجام مع الكلمات والموسيقى يبدوا جلياً من الفديو كليب لهذه الأغنية المرفق مع الألبوم الغنائي.

أغنية أخرى اعجبتني كثيراً لأني مغرم بالتراثيات وهي على ايقاع شيخاني دطورا ، اللحن موزع على بيتين رباعيين و شطر كل بيت  وزنه سباعي وجاءت الأغنية تحت مسمى " كَوري دتياري/ رجالات تياري" . من الأسم فأن الأغنية هي بلهجة تياري الآثورية ومرة اخرى نستمع الى طلال وكأنه جاء تواً من هكاري يمتدح  عدداً من رجالتها التياريين الشجعان الذين لم يعرفوا الخوف، مشبهاً اياهم بالأسود ومسمياً اياهم حسب القابهم الشعبية.

اغاني اخرى عاطفية حواها هذا الألبوم المميز لشعراء وملحنين كان بودي ان استعرضها جميعاً ولكن لا اريد الأطالة فطلال ذوّاق ويعرف كيف يختار أغانيه معتمداً على كتاب قديرين ، ملحنيين اكفاء ومعروفين، عازفين بارعيين وأخيرا وليس آخرا منظمين ( توليف موسيقي) فهم واضعوا النقاط على الحروف، ولهم الدراية في اخراج الأغنية  متماسكة مترابطة ليكون عزف كل آله في مكانها المناسب. الأمر المميز في هذا الألبوم ان لحن جميع أغانيه الأحدى عشرة هي جديدة وغير شبيهة بأخرى سابقة وهذا ما لم اجده في الكثير من أصدارات الكبار من فنانينا، اذ أراهم من بدل المجئ باللحن الجديد يعيدون صياغة الالحان القديمة بمستوى اقل جودة.

لا أظن ان طلال يرض مني ان اغفل عن ذكر اسماء هولاء الجنود المجهولين الذين للأسف لا يعرفهم الجمهور ومعظم اذاعاتنا للأسف تغفل هي الأخرى عن ذكر اسماءهم، هولاء الذين لم يمر ذكرهم اعلاه، من كتاب وملحنين وموسيقيين شاركوا في انجاز هذا المشروع الغنائي الرائع هم: رمسن شينو، داؤد برخو، أمير يونان، سركَون ايشا، يوسب منشي، داني شمعون، ولسن ليلو، مقصود ايشايا، ليث يوسف، عادل كَريش، نمير ديفد، روبرت يونان، رامي يوسف، كَوري هفيتاس، ياسر تنر، آشور شليمون، ايوب هاميس، مجموعة كمبا، بلنت، روبرت اسحق. كما ان هناك اسماء المجموعة الغنائية (كورس ) وشملت ادن بولس، فريد قرياقوس، ايفل حنا، طارق كَريش، سامي كَوركَيس، وسام اسكندر.  وكذلك ايضاً المنقح اللغوي الشماس خيري تومكا.

في الختام فقد سمعت من الأوساط  الفنية ان الألبوم القادم لفنانا طلال كَريش الساطع نجمه في سماء الأغنية السريانية سيكون قنبلة غنائية غير مسبوقة وهو منجز تقريباً ومن المؤمل ان ينزل الى السوق قبل نهاية هذا العام. لذا اطلب -- ان لم يكن طلبي متأخراً--  من فنانا الرائع  طلال رغم علمي ان ذلك يتطلب جهداً استثانياً وتكلفة أكثر، انه في البومه القادم ان يكتب بالسريانية كلمات الأغاني وذلك اقراراً بأهمية لغتنا التي هي الرابط القوي بين ابناء الأمة الواحدة. كما ان رجائي من القراء والجمهور الكريم بعد ان لمسوا الجهد والكُلفة الباهظة التي يتطلبها انتاج البوم غنائي، ان يشتروا دوما النسخة الأصلية لأجل المساهمة في تشجيع فنانينا لتقديم الأفضل.

هذه هي بعض روابط الأغاني من هذا ألألبوم:

 Rikhshow He´reh

 Goza

 Athra D´Babi 

                                                                                                                                 حنا شمعون/ شيكاغو          

 

اِضاءآت من والى مقابلة نينوس نيراري
مع أشور بت سركيس وعمانوئيل بت يونان

 
        الفنان عمانوئيل بيت يونان                             الشاعر نينوس نيراري           الفنان آشور بيت سركيس

لا احد يعرف شخوص فن الغناء السرياني "الآشوري" كما يعرفها الشاعر نينوس نيراري ابن كركوك، المرتع الخصب لمعظم فناني امتنا وألمستشار الأول عندي حين يكون لي سؤال يتعلق بالأمر، وهو مقدم برنامج "كَوني- الوان" مساء كل اثنين من اذاعة "برقالا دخويادا". ولذا فأن تواجد كلا الفنانين آشور بت سركيس وعمانوئيل بت يونان في شيكاغو كانت فرصة ثمينة ليجمعهما، وهما من رموز الأبداع الآشوري في الغناء، في برنامجة المبث حياَ. آشور بت سركيس غنيٌ عن التعريف وعلى شاكلته اختار الفنان عمانوئيل بت يونان ان يقدم الأغنية السريانية  بأفضل صورة .ومن خلال غناء هذين العملاقين  يتلمس المستمع الكريم رُقيّ هذه الأغنية حين تحتضن الموهبة اللحن الجميل والكلمات السليمة.

أرفق مع هذه المقالة الرابط السماعي الكامل لهذه المقابلة الثمينة التي طرح فيها نينوس اسئلة مهمة على الفنانين الكبيرين وهما بدورهما أجابوا بشفافية وصدق على كل الأسئلة المطروحة. من خلال المقابلة يتعرف المستمع الى المسيرة الفنية لكلا الفنانين وخصوصية كل منهما . آشور بدأ من الكنيسة في كمب الكيلاني عازفاً عل الاوركَن ومن ثم عضوا في فرقة أكيتو الموسيقية لحين مغادرته العراق عام 1970. وعمانوئيل بدأ يغني في عمر الرابعة عشر واولى تجربته كانت مع الطلبة الجامعين القوميين في كركوك وكانت تلك نقطة البدائية نحو الأغنية القومية الملتزمة لينطلق مغنياً قومياً وعاطفياً تماماً مثل آشور بت سركيس، وهو الآخر هرب من العراق في اوائل الثمانينات من القرن الماضي. من خلال هذه المقابلة يتعرف المستمع الكريم الى مدى تأثر ابن عائلة بت عمانوئيل بأبن عائلة بت سركيس ومدى الأحترام المتبادل والصداقة  الصميمية بين الأثنين، انهما تؤام الفن ألاشوري الراقي اللذان لا يمكن ان يسمحا ان ياتي البومهما باغنية دون المستوى كي لا تنعكس سلباً على سمعة الأغنية الآشورية المغناة بالسريانية  " السورث". انهما يشتركان في طبيعتهما الهادئة والروح القومية العالية التي هي فوق كل شئ وكما قالها آشور في المقابلة  باللغة العربية  " انها الرسلة الخالدة" -- وهي كل ما علق في ذهنه من البعث العربي قبل ان يهرب من استبداده عام 1970-- وذلك ليس تيمناً برسالة البعث ولكن كمصطلح تَعَودَ عليه العراقيون-- اوردَ ذلك ضمن جوابه عن سؤال يتعلق بألأستنساخ الغير القانوني للألبومات،  هو يريد ان يعرف الجميع  بسب هذا  التصرف المشين من قبل البائع والمشتري  للألبومات المستنسخة والرخيصة، فأنه وأقرانه المغنون لايقتنون ربحاً من جهد مضني، الأ انهم يؤدون رسالتهم القومية في حقل الغناء بلغة الأم.

ثم يأتي السؤال الحرج عبر الفيسبوك لماذا لم  يذهب آشور الى العراق في السنتين الأخيرتين كما اعتاد ان يذهب من قبل ذلك. ويأتي الجواب من مُلهب الحماس في مسيرات اكيتو انه يعرف ان الآشاعات تنتقل كالنار في الهشيم، لكن ما أعاقه من الزيارة هو ثلاث عمليات جراحية خلال السنين الأخيرة ، اضافة الى امور تتعلق بالتزامات الغناء ، اذ انشغل في استراليا في تحضير البومه القادم الذي استطاع لحد ألان ان ينجز خمسة من أغانيه العشرة . زيارة الوطن بنظر آشور واجب على كل واحد منا من خلال السنة وبدلاً من ان نقضي اجازاتنا في هونولولو مثلاً فلتكن في ربوع الوطن العزيز كي نقف على أحوال ابناء شعبنا هنالك. 

اراء النقاد عند عمانوئيل بيت يونان مُرحب بها دوماً حين تكون بناءة وعلى اسس صحيحة .عمانوئيل افاد انه لا يكتب أغانيه اطلاقا بل يعتمد عل شعراء قديرين وبخصوص الألحان فله خبرته الخاصة، فالبيانو هو الآلة المفضلة لديه وان احتاج الى استشارة بخصوص الألحان فان آشور بت سركيس هو الأستشاري الأول.

سؤال يتعلق بالأغاني الممتازة التي يكتبها آشور لأقرانه من المغنين، لماذا لا يحتفظ بها لنفسه. انه سؤال وجيه سبق لي ان طرحته على آشور في مقابلة سابقة لي وحينها كان المثال اغنية "قشتي مارن" التي غنتها جوليانا جندو اما الآن فغالبية مغنينا المعروفين لهم اغنية من كلمات آشور بت سركيس ومنهم حسب معرفتي : لندا جورج، جنان ساوا، عمانوئيل بت يونان، اوكَين بت سامو ،رمسن شينو، طلال كَريش. اما ما هو سبب هذه الهبات فكما يقول آشور ان غايته الأولى والأخيرة هي سموّ الأمة، والأنانية هي بمثابة عرقلة في الوصول لهذه الغاية فلما لا ينبذ الأنانية ويفرح اقرانه المغنين.

الكلمة الأخيرة لآشور كانت مثل الذهب وأثقل منه على قلبه جاءت بنبرة منكسرة الخاطر. ان ما يحز قلبه في آخر سنتين وعبر "الفيس بوك" هو هذه النميمة التي صارت تغفوا على قلوبنا فصرنا في كل صغيرة وكبيرة نظهرالضغينة لبعضنا البعض ونحارب بعضنا البعض وأصبح القول المعروف، "ان لم تكن معي فانت اذن ضدي" من صفاتنا المقيتة. أضاف آشور قائلاً: ليس الأمر هكذا فالأنسان حر في رأيه والغاية الأولى يجب ان تكون سموّ الأمة، لكن آشور قلبه انقى من ان يحمل عتب على احد من الذين أساءوا اليه، فنراه يورد من خلال هذه المقابلة التأريخية ويطلب ان يسامح الرب كل من نشر أشاعة مغرضة عنه.

عجبني ما افاد نينوس نيراري عن ان احد اسباب تاخر اغنيتنا القوميه هو ان اذعاتنا تبث أحياناً أغاني دون المستوى و تسدل الستار عن أغاني المستوى الرفيع. آشور علق قائلاً ان هذا السؤال يحتاج " جريدة كاملة " ولذا اختزله بقوله ان المغني ليس له الدافع للأبداع اذ يرى ان جهده في انتاج البوم غنائي يذهب سدى عبر التزوير، هذا التزويرهو خنجر مسموم في خاصرة الفنان فكيف تراه يقدم الأغنية الجيدة. . 

الى عزيزنا عمانوئيل بت يونان القومي الأصيل الذي يعمل  بتفاني وصمت لأجل رفعة امته اكثر من تظهره لنا وسائل الأعلام والنقاد الفنيين، أطلب من جبروته الزوعاوي ان يسامحني اني لم اكتب عنه لحد الآن بما هو الكفاية ، وحتى آشور لمس هذا التحيز من جانبي حين كتبتُ عن امسيتهما في "ليالينا". أشور أخبرني في مكالمة ودية معه ان عمانوئيل هو ابن هذه الأمة ويستحق كل ما يستحقه آشوربت سركيس، ان لم يكن أكثر. بأعجاب اذكرهنا الألبوم الثالث للفنان عمانوئيل  الذي هو بعنوان " لا معروا" هو اكثر من رائع وهو رفيقي ومؤنسي خلال تنقلي في مدينة شيكاغو. الألبوم الرابع " نصيبين" اشتريته مؤخراً لكني ارجعته رغم شوقي البالغ لسماع أغانيه الثمينة ومنها "سامرما"، فقد كان مستنسخاً من سراق جهود الفنانين الأعزاء، ارجعته مع تأنيب للبائع، وفي هذا الصدد أملي ان يحذو حذوي كل القراء الأعزاء. اما عن تحيزي لآشور بت سركيس عن بقية فنانينا الأعزاء فأعرف جيداً ان رفيق درب آشور الفنان عمانوئيل هو مثلي ليس ما يفرحه أكثر من ان يري هذا الفنان العظيم ينال التكريم الذي يستحقه والذي وقعه بحبه واخلاصه لأمته الآشورية عبرعطاءه الفني المستمر، ولذا فان التركيز على صاحب البوم "دشتا دنينوي" واجب وضرورة حتى يتحقق تكريمه لخدماته، على المستوى الفني والقومي.     

وفي هذه المقابلة نينوس كان حِرَفياً وعادلاً في توجيه الأسئلة والزمن قسمه مناصفة بين تؤامي الغناء ألآشوري الحديث،ولذا فاني احييه على هذه المقابلة الممتازة، وانتهز الفرصة واقدم له امتناني في الأجابة على استفسارتي الكثيرة له، وأدعوا الجميع الى سماع برنامجه الرائع.

وهذه مقتطتفات مما ورد في هذه المقابلة التاريخية.

 من كلام آشور بت سركيس:

- تاثرتُ بالمغني المحبوب ايوان آغاسي والمرحوم  بيبا.

- حين يظن ان الفنان وصل القمة فأن تلك هي نهايته.

- أحياناً من مشاهدة لقطة من فلم فاني اؤلف كلمات أغنية.

- أكثر الملحنين الذين تعاملت معهم هم ديفد سايمون "ططي" والمرحوم سورين المتوفي في لوس انجلس.

- الحمد لله انا لم يرموني بالطماطم والبيض، لكنهم ثقبوا دواليب سيارتي ب " الدرنفيس".

- لي أكثرمن خمسين أغنية شبه جاهزة كتبتها لنفسي ولأصدقائي.

- الفن هو دواء الروح، والبحر مخيف في هيجانه اثناء الليل وجميل في النهار حين يكون هادئاَ.

- انا غنيت لحن اجنبي لكن ذكرت ذلك في تعريف الأغنية.  

 من كلام عمانوئيل بت يونان:

- بدأت الغناء وعمري 13- 14 سنة.

- الفنان الراحل اوشانا جنو اختبر صوتي وشجعني على الغناء.

- لو لم اكن مغنياً لأخترت القانون مهنة لي. 

- اتمنى ان يلحن لي آشور بت سركيس، جان دشتو و ديفد سايمون ( ططي).

- اللون الذي افضله في الغناء هو العاطفي.

- معظم أصدقائي هم من الشعراء والموسيقين و والقوميين " اومتنايي".

- انا قومي  "اومتنايا" اكثر من كوني سياسي.

- سبب تأخر أغنيتنا الآشورية  "السريانية " هوعدم وجود وطن لنا فيه مؤسسة تعنى بالفن.

- أدعوا ابناء امتي ان يكونوا متحابين، مساندين لجمعياتهم وان يمنحوا الشبيبة الفرصة لأجل التطوير.

 للمزيد اقدم الرابط الصوتي لهذه المقابلة التاريخية:  

  رابط مباشر للمقابلة (أنقر هنا لطفاً)

أو على الرابط التالي:

 http://www.drivehq.com/file/df.aspx/publish/hshamoun/ASHUR.mp3Publish

                                                                            حنا شمعون / شيكاغو
 

 
روح الراحل جورج هومه تعود إلينا في " شلاما لدقلت:
ܫܠܵܡܵܐ ܠܕܸܩܠܲܬ"

منذ صدور البوم دشتا دنينوي للفنان آشور بيث سركيس عام 2008، لم احظ بسماع البوم غنائي-- مكتوبة أغانيه-- يدغدغ أحاسيسي ويحرك قلمي كي اكتب عنه. بحثت طويلاً عن الالبوم الصادر للفنان المرحوم جورج هومه في خريف 2012، الذكرى الثانية لرحيله من عالم العمل الدؤوب وا لعطاء الى عالم الراحة والثناء. في رحلة البحث هذه أثقلت مصرف جيبي  بشراء عدداً من الالبومات لفنانينا الجدد والقدماء لكن اقتنائي منها لم يتعدى عدد قليل من الآغاني  التي تستحق السماع  وتستحق المكوث داخل سيارتي وتكون وقود ذهني المتعب من هموم العيش في مدينة كبيرة مثل  شيكاغو.

في حياته  الأرضية اعطى هذا الفنان جورج هومه كل ما في امكانيته لا بل انه كان سخياً في عطائه  لدرجة ان بذل ذاته من اجل فنه ولمنفعة ابناء امته الآشورية اينما  كانوا حتى يستمعوا الى درر فنية تبقى ازلية، وفاءاً منه لأبناء امته وارتقاءاً بالفن الغنائي لامة تستحق بذل الذات لأجل الرقي بها من حيث انهاا أقدم امة عرفت الموسيقى. بعد شهرين من العناء والبحث حصلت على الالبوم الغريب في صدوره. نعم البوم لأغاني جديدة يصدر لفنان بعد رحيله بسنتين لهو امر غريب وعجيب. اما كيف حصلت على الألبوم فلم يكن عن طريق دار التسجيلات او مخازن ابناء شعبنا، لأنه غير متوفر عندهم، بل جاءني هدية من النجم المتلألئ في سماء الأغنية السريانية ( السورث - الاشورية الحديثة) ، الفنان سركون يوخنا الصديق الوفي للراحل جورج هومه والمروج الكبير لفن صديقه.  

يحوي الألبوم العجيب هذا على ثمان أغاني موسيقية ولكني أحسبها تسع فالأغنية التاسعة وهي افضلها هي تلك الكلمات التي سطرها على الغلاف الذي جاء مع الألبوم. الكلمات تقول: " دائماً كنت اؤمن ان المشاعر المنبعثة مباشرة من القلب بأخلاص نقي، انها تحط مؤثرة في قلوب الجمهور." مثل هذه الكلمات المكتوبة بالانكليزيه ضمن رسالته الوداعية لأبناء امته الآشورية هي أغنية عَزفها على اوتار قلبه الطيب وغناءها من حنجرة  بصوت مكتوم . هذا الغناء الفريد من نوعه لم يصلنا عبر سماع الأذن بل انه قفز ذلك الحاجز لتصل قلوبنا نحن الجمهور الذي صُعق بفقدان هذا الفنان العظيم.

من كلماته الوداعية ايضاً :" لا اعرف ايهما ايقنتُ اولاً معرفة  اسمي او شغفي بالموسيقي والغناء" اي انه شغف بالموسيقى منذ نعومة أظفاره. ولذا كانت الموسيقي والغناء كل شيء في حياته فتعلم العزف على مختلف الآلات وبدأ الغناء في مقتبل عمره. ولكن جورج ذو القلب الرقيق والقومي ( اومتنايا) المخلص وجد في هاتيت الصفتين عنواناً لأغانيه فأستثمر جُلّ جهده الغنائي في هذين الحقلين وأبدع وايّ ابداع!! وفي هذا  الصدد يقول الفنان سركَون يوخنا عن صديقه وقدوته جورج هومه حين زار الأخير سوريا في عام 2004:  التقيت به وتعرفت عليه عن كثب ، لقد كان ذي مشاعر جياشة حقيقية يبكي كالأطفال لأن الزمن يمر سريعاً في حين انه هو واقرانه من المغنين لم يؤدوا رسالتهم كاملاً لخدمة الأغنية الآشورية ورفع سمعتها.  

جورج هومه أيقن موهبته الموسيقيةً ولذا استغلها لخدمة امته فكرس معظم حياته للموسيقى ولأجل ذلك أنمى موهبته هذه ودرس الموسيقى في المعهد الموسيقي الأسترالي حيث كان يقيم مهاجراً في القارة البعيدة عن بيت نهرين، عشقه الاول والاخير. تعلم العزف على معظم الالآت الموسيقية ومنها الفايولين وهي الأعز الى قلبه، العود، الكَيتار، البيانو .. وقد استخدمها  جميعاً مقرونة مع صوته الملائكي  المشحون  بالعواطف الجياشة.

موسيقى هذا الألبوم تعتبر سمفونيات عشق ومحبة وحقاً ان جردنا الغناء من الموسيقى التؤليفية فالنتيجة هي سمفونيات للسمع والمتعة، وقد سهر الليالي في تأليفها. عشر سنين استغرقت جورج كي ينتج البومه هذا . الموسيقى كانت كامله ومعها الردات اللازمة، فقط كان عليه ان يغني البقية من أغنيتن ثم يتم تركيب الغناء على الموسيقى المجهزة وينتهي كل شي ، لكن يد المنون كانت تنتظره وداهمته وهو في خضم شغله وهكذا سقط شهيدا للفن الذي أحبه منذ الصغر.   

جورج هومه لم يكن مغنياً يجمع الأغاني ويكثرها كمًاً بل كان ينتقيها كي تكون نوعية بحيث تمتزج الكلمات بالموسيقى امتزاج الماء بالطحين وفي هذه الحالة لا ينسى ان ينفح جزءاً من روحه السامية خميرة حتى تنتفخ عجينته وتنتج خبز الحياة. وبكلمات الفنان المرحوم جورج هومه وهو يخاطب جمهوره كما جاء في مقدمة الألبوم الذي نحن بصدده: "مثل الخمر الجيد لا بد ان يُعتق حتى يختمر جيداً، فلقد استغرقتُ سنيناً كي انتج هذا الألبوم، ووضعت فيه قلبي وروحي كي تستمتعون به." آخر اصدار غنائي له كان عام 2000 ، وهكذا فانه البومه الأخير  والذي جاء بعنوان " شلاما لدقلت " استغرق عشر  سنين لحين ان وافاه الأجل ولم يكن مكتملاً بعد لكن اخويه جان وجاك مع أصدقاء المرحوم وهم ريني دانييل وآشور اوراهم حاولوا كل  امكانيتهم ان يملئوا الفراغ الذي تركه جورج لأكمال ما تبقى من الألبوم الذي بين ايدينا واستغرق ذلك قرابة السنتين واستطيع ان اقول ان ذلك كان جيداً اذا أخذنا  بنظر الأعتبار صعوبة ملء الفراغ الذي تركه المرحوم والموهبة الفنية التي كان يملكها.

كما اسلفت فان الأغنية التاسعة حسب تصنيفي كانت مقروءه وقد حاولت تقديمها أعلاه اما بقية الأغاني فهي ثمان اَتم منها المرحوم ست أغاني . الأغنية السابعة وهي تحت عنوان " راوي " فقد أكملها شقيقه جاك بعد ان كان المرحوم قد وضع موسيقاها مع التؤليف الموسيقي لكامل الأغنية وغني ردّتها، وقد اجاد جاك في تكملة الأغنية ويبقى على المستمع ان يلاحظ الفرق. في تصوري ان جاك اجاد لأن الأغنية هي تراثية وموسيقاها شعبية مما يسهل تقليدها. اما الأغنية الثامنة والأخيرة وهي بعنوان " ريما دطوراني " اي ريم الجبل فهي سمفونية حبه لكل من شريكة حياته وأمته الآشورية. فيها كلمات صعب عليّ تفسيرها بعض الشئ وكلماتها هي ثمرة تعاون بين المرحوم جورج هومه وعمه الشاعر المعروف آدم هومه الذي يقول جورج عنه بانه  يشبهه في تتطلعاته كثيراً وهو شاعر لامع  وانه هو – اي جورج —مدين لعمه في الكثير من نجاحاته . هذه الأغنية تمثل جزء من تراجديا وفاة جورج حيث انه غنّى الردة فقط اما بقية الاغنية فكلماتها وردت كاملة على الغلاف  لكنها غير مغناة في الالبوم. لم أسال عن السبب، لكن حدسي ان جورج توفي ولم يكمل غناء بقيتها، وقد اراد منتج الألبوم بعدم تكملتها ان يقول لنا: لقد سقط جورج شهيدا لفنه وتوقفت حنجرته الذهبية عن الغناء. واذا رجعنا الى حكاية الوفاة المعروفة، فان جورج كان  يعمل على انجاز البومه وهو في الأستوديو الموجود في بيته وحين شعر بالأرهاق القاتل خرج حيث الى فناء الدار وحقيقة الأمر انه كان يعاني من سكتة قلبية اودت  بحياته وهذا ما  حدث حسب رواية ألشخص الي كان معه في البيت ,اظنه  ابنه أو أخاه الصغير جاك.  بهذا الصدد كتب جورج  : "سهرتُ الليالي مع القلم والفايولين وحب امتي الاشورية وانا أكتب واغني.. أعيد الكتابة  اوالغناء مرّة تلو المرة ولا  أقبل بالنوم ..حتى  تكون النتيجة موفقة وأغفو على دموع الفرح او الحزن."

أعود الى الأغنية الثامنه التي حيرتني كثيراً في تفسيرها والتي غنى جورج ردّتها مع موسيقى ابداعية حيث تستفسر الكلمات من هي هذه الجميلة التي مشيتها غنج في غنج. في البيتين التاليين تجاوب هذه الجميلة، وفي متن جوابها مرة تصف نفسها ريم يجول في الوطن الآشوري  ومرة أخرى - البيت الأخير-- تبدو ان هذه الجميلة هي أميرة أحلامه التي أصبحت زوجته وأم أطفاله. لكن الكلمات أتت  مؤلمة حقاً في جواب أميرة أحلامه التي شبهها بريم جبال آشور: من غيرسابق انذار رحلتَ عني وسقطتَ –ميتاً-- كما يسقط ورق الشجر في الخريف.

لآ أدري ان كان هذا السطر قد كُتب قبل او بعد حادثة الوفاة، لكن بلا شك انه يسطر تراجيديا الرحيل الفجائي لفنان عظيم، وأملي ان تغنى هذه الكلمات على الموسيقى التي وضعها الفنان جورج وشارك الشاعر الكبير آدم هومه في تاليف كلماتها وأقتراحي ان يغنيها من جديد الفنان سركَون يوخنا. والسيناريو الآخر  لنشر هذه الأغنية ان تبقى الردة كما غناها جورج وتشارك الفنانة القديرة جولينا  جندو في تكملة البيتين الاخرين حتى تكون نهاية تعبيرية لفلم " وردي ديشي " الذي  كان بداية تعريف جورج هومه على جمهوره قبل اكثر من عشرين عاماً.

كما ان كلمة "تيي تيي ةئِا ةئِا، فقد ترجمتها غنج في غنج وقد اكون مخطئاً لكني اعتمدت هنا على سياق الكلام ومن ثم اني أتذكر طيراً في قريتي منكَيش كنا نسميه " تي تيا " حين كان يمشي على الأرض وكان حركته بغنج ملحوظ.

ثم هناك الأغنية التي حملت عنوان هذا الألبوم وهي " شلاما ل دقلت - سلام على دجلة " وانا شخصياً احسبها أعز الأغاني على قلبي لأني أعرف دجلة جيدا وقد مشيت عليه كثيراً من فوق الجسر الحديدي في مدينة الموصل وهذه الأغنية تؤجج في داخلي تلك الذكريات الجميلة والحزينة عن النهر الذي اسميت ابني "دقلت" بأسمه. جورج هومه قبل رحيله بعام ونيف كان قد زار العراق وذلك في نيسان  من عام 2009  ليغني في الأحتفال  المقام سنوياً لمناسبة بداية السنة البابلية الآشورية ( اكيتو ) ولابد انه وقف على النهر العظيم الذي يروي أرض آشور وتأمل في ميائه طويلاً ومن ثم الّف موسيقى هذه الأغنية  وبعد ذلك كتب الكلمات الحزينة لموسيقاه لتصبح هذه الإغنية القومية شكواه الى القدر الذي جعله غريباً في موطنه. ايقاع موسيقى هذه الأغنية قوي جداً وصوت الطبلة يرمز الى الندب لدرجة ان المستمع يستطيع تميز دقتين قويتين للطبلة حين يلفظ جورج اسم النهر" دَق..لَتْ " كما  ان المستمع يستطيع ان يميز بسهولة الأصوات المختلفة في غناء هذه الأغنية وأحداها يبدو انه صوت آت من بعيد .. ربما  من سدني، استراليا، وذلك حين يغني المقطع: غريباي بشلن بدوني وهر بد بيشوخ غريباي .اي اننا  أصبحنا غرباء في الدنيا وسنظل غرباء.  

أغنية أخرى هي على ايقاع شرقي راقص وتغني المجموعة ردّتها، وهي بعنوان "بسا من كَشقياثخ- كفى من نظراتك". في هذه الأغنية يصف مع الموسيقى الملائمة العيون الساحرة والشعر المعطر والقوام الممشوق لفتاته التي دعته للرقص معها في الخكَا. انتهى الخكا لكن يديهما المتشابكتان ظلتا على حالها.

الأغاني الاربعة الباقية هي التي سهر عليها الليالي كم سبق وان اخبرنا بذلك وهي كامة مكملة وفيها الموسيقى الكلاسيكية التي الفها على حسه واحساسه وفيها عزف الاته المختلفة وأحبها الى  نفسه الفايلين. يمكن ايجاز المقصود في هذه الأغاني التي يحاور فيها نصفه الآخر بأربع محاورهي اعمدة عش هذا السنونو الذي سيحل بينا في كل  ربيع.. وهذه المحاور هي: الاشتياق،  المديح، العتاب، واخيراً المغفرة . وقد انتيقت الأشيتياق وهي الأغنية الرابعة في  هذا الألبوم وجاءت تحت عنوان " تا خبوقلي- تعالي احضنيني". فيها يعرب عن اشتياقه الى شمس حياته وضياء عينيه  فيطلب ان تأتي اليه فهو فقد اشتاق اليها، وكم هي فرحته ااذ اتته في الربيع  " بينيساني " وملات حياته اخضراراً وفرحاً. 

جورج هومه رحل  عنا ولم يرحل معه نتاجه الموسيقي والغنائي الذي سيظل يذكرنا بفنان عظيم احب امته وبذل ذاته لرفع سمعتها.

حين قرأت  نبأ وفاة المرحوم جورج هومي، كتبت مايلي على صفحات عنكاوا.كوم:

هزّت جوانحي عنوان النبأ المفاجئ واثقل قلبي الحزن وانا  أقرأ تفاصيل  الخبر المؤلم. حقاً صعقني خبر رحيل الفنان الغالي على قلب  كل آشوري، خاصة ونحن نعيش هذه الأيام مع فاجعة كنيسة سيدة النجاة.

سنبقى وستبقى الأجيال من بعدنا تتذكر بكل  تقدير فنان الأمة الآشورية جورج هومه. سوف نستمع الى أغانيه ونستلذ بها  فرحاً وحزناً وتلتهب مشاعرنا وملئها  هواجس الأمة المُغرّبة عن وطنها. واحدة من تلك الأغاني العظيمة التي خطها قلمه وغناها هي " مركَي قيني" التي فيها حبي، قريتي، وطني..وكل  أمالي لتُخلد ذكراه في مخيلتي دوماً.

لقد سطر فقيدنا الغالي اسمه ومن خلال فنه الرفيع في سجل الخالدين الذين قدموا خدمات  جليلة لأمتهم.

لأعزائنا القراء وكل محبي الفنان العظيم جورج هومه اقدم  الرابطين لأغنيتين من هذا الألبوم هدية ليست مني بل من روحه التي زارتنا عبر هذه التحقيق، لأني اعرف جيداً ان الذين يتوقون الى  سماع ألبومه عليهم الأنتظار طويلاً. وهنا اود ان أحث المنتجين لهذا الألبوم العجيب ان  يسوّقوه الى ابناء شعبنا قريباً ويهدون بعض النسخ الى الأذاعات ووسائل الأعلام كي تبقى ذكراه عطرة  بيننا على الدوام. 

Ta Khpoqly

Shlama L´ Deqlat

http://www.drivehq.com/file/df.aspx/publish/hshamoun/04 Ta Khpoqly.mp3Publish

http://www.drivehq.com/file/df.aspx/publish/hshamoun/06 Shlama L' Deqlat.mp3Publish

                                                                                              حنا شمعون / شيكاغو
  


ملك الملوك وعظمة التواضع

بقلم :حنا شمعون

قريباً يحل علينا  عيد الميلاد وها قد استعتدتْ له البشرية كلها:  زينة ، هدايا، حفلات ،زيارات، اضافة الى عطلة مدارس ، قداس منتصف الليل ويتضمنه نار الرعاة.

 ملك الملوك الذي سَبّحت له ملائكة الرب قائلة المجد لله في العلى وعلى الارض السلام ، لم يولد في قصر او حتى  بيت اعتيادي ولكن في تلك المغارة  المتواضعة التي لا يُتوقع حتى لأفقر الفقراء ان يرى النور فيها. لا حاجة بنا ان نذكر قصة الميلاد فالذين يعرفونها عليهم ان يستخلصوا الدرس منها، والذين لا يعرفونها وهم الغالبية بما فيهم الذين يعرفونها  ولم يستخلصوا الدرس منها فاليهم اكتب مقالتي هذه.

الى نفسي اولاً اقول، ثم الى كل مسؤول وصاحب جاه او من يبحث عن الشهرة من كتاب ونقاد وسياسيين، اننا لسنا ولا  نقطة في بحر  من عظمة هذا الذي ولد في مغارة متروكة ليس فيها غير التبن، بدلا من ان يولد في قصر فخم يعد افرشته الوثيرة  طاقم من الخدم.

مَن مِن أصحاب العروش او الأسماء المشهورة استطاع ان يجلب معه حين  ولد - او ولدت- جوقة من الملائكة تسبّحه وتمجده، ولمن يصعب عليه تصديق هذا ، من منكم يستطيع ان يقيم جسده في اليوم الثالث ويصعد الى السماء. ومن لا يصدق هذا ايضاً، من منكم او منا يستطيع ان يشفي المرضى ويرجع البصر لمن فقده  منذ الولادة ويفعل كل هذا وهو ليس بطبيب بل مجرد صياد سمك. هذا الأمر الذي دوّنه بشكل متطابق اربعة كتاب لم يتشاوروا  او يتفقوا على تدوين ما رأؤوه، بل كل ذهب غايته وهناك كتبوا اناجيلهم، كل باللغة التي يعرفها. ومن لا يصدق هذه الحكايات التاريخية المدونة منذ عهود المسيحية الأولى،  فاني ارجع الى مقدمتي عن عيد الميلاد. لماذا تحتفل الدنيا كلها بميلاد الملك الحقيقي، ملك الملوك. ومرة أخيرة ان كان لا يقنعهم كلامي هذا، قائلين:  فقط المسيحيون يحتفلون بعيد االميلاد المجيد ( الكريسمس). هنا اوصي قاري مقالتي هذه ان لا ينبس بنت شفة ويعترض فالحجة  التالية دامغة ومقنعة، الا لأولئك الذين ليس لهم عقل او منطق وان ولدوا في هذا العالم فأنهم ليسوا من هذا العالم،  لهؤلاء القلة اقول: كيف يكون هذا الذي لم تُسبح له الملائكة ولا قام من الاموات ولا صعد الى السماء، ولا شفى المرضى ولم يرجع البصر الى فاقديه كيف يكون له كل هذه الخصوصية في هذا الزمان وبعد أكثر من الفي سنة. الى هذه القلّه أقول: اذن كيف تحتفل الدنيا وتعد تاريخها على اساس هذا الذين لا تعترفون انه ملك الملوك. من منكم لا يعرف تاريخ ميلاده مقارنة بتاريخ ميلاد ملك الملوك الذي تقوم الدنيا ولا تقعد على ذكرى ميلاده. انه الافضل لكم ان تعيشوا في الحَجْر العقلي على القمر او المريخ  من ان تعيشوا على الأرض وانتم لا تفرقوا بين الحق والباطل، بين الشر والخير، بين الحرب والسلام وبين تأثير ميلادكم وتاثير ميلاد ملك الملوك، يا ايها التائهون في عتمة الظلام  .

كثيرة هي أقوال وافعال ملك الملوك عن المحبة و التواضع والوداعة لكن في هذه الأيام التي هي ذكرى ميلاده فلنتعلم منه اهمية التواضع والتنازل عن كبريائنا او الأنانية التي في ذواتنا او الشهرة الزائلة وخاصة ان كانت بغير استحقاق. ان  نتباهى بالمنصب او الجاه او الملبس ونترفع عن قريبنا الفقير الذي هو انسان مثلنا له نفس المشاعر والطموحات،  أمر يجب ان يكون غير  مقبول ، لا بل مستهجن. كلنا نولد عراة وكلنا نموت وندفن تحت التراب فلما التباهي والكبرياء واللهاث وراء الشهرة والجاه.  هذا  الذي لم يُخلق مثلنا بل تَجسدَ لتكون ولادته مثلنا ولم يولد في حالة الرفاهيه بل ولادته كانت وضيعة ان لم نقل أليمة ، هذا  الذي  قَبِلَ  الموت حتى لا  يكون افضل منا وتجرع الآم الموت بحيث لا احد منا يريد ان تكون ميتته هكذا.  هذا  كان الأنسان الوحيد الذي غلب الموت على الأرض وقام بسلطانه وصعد الى السماء. كان بمقدور ملك الملوك ان تكون ولادته ويكون موته على نحو مغاير بحيث لا  يشعر بالفقر ولا بالألم، ولكن مكتوب: ان الرب، الاله السماوي خلق الانسان على صورته ومثاله ( تك:1-27 ). هذا يعني ان ملك الملوك  وهو الأله المتجسد ، حسب التعليم المسيحي الذي لا أحد يجب ان يشكك فيه ، هو مثال لنا ونحن مثال له  فلماذا لا نتشبه به ونتقدي به وبتواضعه؟؟

 في الحقيقة اني أكتب تحت ضغط تأنيب الضمير فالكتابة لعلماني في امور دينية ليس بالأمر السهل، وحسب ضعفي الأنساني العولمي كان بودي ان أكتب في موضوع آخر دنيوي واكثرانسيابية في ترتيبته واخراجه، لكن ميلاد السيد المسيح الذي هو ملك الملوك واعظم كائن بشري ولد على الأرض، فأن العبرة من ولادته، التي هي حدث عظيم وكنز ثمين، يجب ان تطغي على كل المواضيع في هذه الأيام. ولد في مغارة  بلا منافذ لدخول أشعة الشمس لكن نوره المشرق هو اكثر من الشمس التي تتباهى على أضواء كل شموع الدنيا لا بل كل مصابيح الدنيا وقل كل الطاقة الضوئية التي  تنتجها اكبر المفاعلات النوويه، ما فائدة اضاءة ملعب كروي في وضح النهار حين تكون الشمس ساطعة. هكذا هي ضرورة الكتابة عن هذا الحدث العظيم، ميلاد ملك الملوك، والتذكير به  مقارنة بالكتابة التي عهدتُ عليها في موضوع ادبي او اجتماعي او نقدي بخصوص الأغنية السريانية او قوميتنا الآشورية ( السورايي) او موضوع التسميات الشائك.

 يبقى ان أقول ونحن نملأ صفحات المنتديات الألكترونية والعنكبوتية بكتابات لو اُرسلت قبل عشرين سنه  الى احدى الصحف او المجلات العراقية، على سبيل المثال، ماكانت لترى النور بنسبة واحد المئة على اقل تقدير، وذلك لضحالة الأسلوب وكثرة الأخطاء القواعدية والاملائية اضافة الى قلة الثقافة والوعي لغالبيتنا من كتاب آخر الزمان، ومع هذا فان كُتابنا الموقرين، كل  منهم يحسب نفسه عبقري زمانه وان قُراء كتاباته يصِلون ارقاماٌ قياسية  قد تقارب الألف قاري لكل مقالة - حسب معرفتي بقراء عنكاواكوم الغالية / اشهر منتدياتنا- وهو لا يدري ان غالبية القراء هم مثله لا ثقافة ولا وعي، دَفَتهم التعصب الطائفي في اغلب الأحيان. وهنا أذكر ثقافة الحصول على شهادة الدكتواراه  وهي ظاهرة تفشت بين تواقيّ الشهرة من أبناء شعبنا المسيحي، في العراق، يحصلون بالتزكية او مقابل مال على شهادتهم المعيبة هذه. والعار هنا انهم لا يزوّرون سراً شهاداتهم من أجل التوظيف وبسكتون على ذلك حتى لا يكتشفهم أحد، بل انهم يعلّنوها في المنتديات الالكترونية ثم يقبلون التهاني والتبريكات وتأخذ الدال الدالة لشهادتهم العالية جداً مكانها الثمين قبل ان يرد اسمهم المعروف. وتلك الشهادات التي اتعجب بها  أكثر، هي التي تنحرف عن الأختصاص الذي درسه الدكتور المتباهي كأن يحصل على دكتواره في التاريخ  مثلاً وهو أصلاً  يحمل بكالوريوس في الهندسة ، او  تلك الدكتوراه التي يحصل عليها فلان بن علان وهو ليس له حتى شهادة الأعدادية.

الكبرياء وحبُ الشهرة تنخران  في انسانيتنا. فأين نحن من التواضع الذي يُعلّمنا اياه ملك الملوك في عيد الميلاد المبارك، والذي يحل علينا هذه الأيام!!

 


شهداء عيد الصليب، هل نسيناهم؟

 

في ليلة عيد الصليب من عام 1992 وبعد حرب الكويت المشؤومة التي خاضها سيد الطغاة في العصر الحديث،حدثت موجة هجرة هائلة من العراق هرباً من الأوضاع المزرية التي حلت على ابناء الشعب العراقي جراء حماقات سيد الطغاة هذا.  وفي خضم تلك الهجرة الجماعية حاولت فيئة من ابناء أمة "السوراي" العبور عبر مضيق بحر ايجة من تركيا اى اليونان موطئ الديمقراطية  ليمكثوا هنالك في مرحلة الأنتظار نحو الفرصة السانحة لمحبي الحياة كي يعيشوا في حرية وأمان في بعض بلاد العباد من بلدان اوربا وفي امريكا وكندا واستراليا. لكن القدر كان لهم بالمرصاد في تلك الليلة التي يحتفل بها كعيد الصليب ،  فقد غرق المَركب البدائي الذي صعد اليه --في ليله حالكة السواد—ما يزيد عن ثلاثين مهاجرا يمثلون ثلاث عوائل بكاملها وآخرين من الشباب. معظم الضحايا كانوا من ابناء منكَيش، القوش وأشيثا، وقد نجى واحداٌ من الشباب فقط وهو الذي كان شاهد عيان لهذه المأساة.

حَشر فاقدوا الضميرالأنساني من مستغلي مآسي الآخرين في ذلك المَركب  أضعاف الأضعاف من طاقه ذلك " البلم "  المتعفن والمثقوب كما تيقن للمحققين بعد ذلك. هولاء الذين لم يسبق لهم ان راؤا بحراً من قبل، أسلمهم رجال العصبات التركية " القجخجيّة " الى لُباب تلك الأمواج العاتية قائلين لهم: الأبحار سهل جداً وفي غضون دقائق سوف تصلون بأمان الى الشاطئء اليوناني.

رنت موسيقى  الشاطئ اليوناني وما يمثله من رمزالحرية والدولة المسيحية في اذان هولاء الذين ذاقوا المرّ والعذابات من سياسة الدكتاتور المغرور فتسابقوا في الصعود الى " مركب الموت " مصدقين الحثالى الذين همهم الأول صفقة مالية مربحة. لقد اتم هولاء الأوغاد الأتراك صفقتهم المربحة وعلى حساب سلامة هولاء المساكين العطشانين الى الحرية والسلام .أستلم المجرمون ربح صفقتهم مسبقاً وأرسلوا هؤلاء المساكين من غير ربان-- يقود المركب-- الى الغرق في البحر الغدّار الذي لا يعرف الرحمة مثلما لا يعرفونها، انفسهم.  

أكثر من عشرين عاماً مرت على هذه الجريمة النكراء وقلة هم من يتذكرونها كونها وصمة عار في وجه الذين كانوا سببها بدءاً بحاكم العراق الأوحد، او الذين اقترفوها، من مستغلّي الأزمات، وانتهاءاً بالسلطات التركية التي لم نسمع أبداٌ انها تعقبت اولئك المجرمين. لابل ان أمثال هولاء المجرمين لا زالوا يزاولون مهنة الغدر امام مسمع ومرأى السلطات التركية. وقبل أيام سمعنا عن غرق حدث في ظلمات بحر ايجه ايضاً لأكثرمن خمسين برئياً من سورياً والعراق الفارين من الحروب، وغالبيتهم كانت من الاكراد والمسيحيين.  

لكن، ونحن نلوم المُسببين وعصابات الغدر أوالسلطات التركية، يبقى السؤال المهم هو لماذا يهاجر المسيحيون من ابناء العراق وسوريا اوطانهم وهي ارض اجدادهم من قديم الزمان وبأقل الأحوال من زمن الأمبراطورية الآشورية التي لا زال تسميتها تُعَطرالتسميتين الحاليتين : سورايي وسوريا.

المسيحيون وعلى اختلاف مسمياتهم القومية والطائفية هم بلا شك السكان الأصليين لكل  من سوريا والعراق وهم ملح تلك الارض الطيبة التي فيها دجلة والفرات ،والتي سماها الأغريق قديماً  بلاد ما بين النهرين " ميسوبوتاميا ". ومن المؤسف جداً ان هولاء المسيحيين ، حتى اولئك الأكثر التزاما والتصاقاً بأرض اجدادهم، يغادرون الوطن الغالي الى حيث الحرية والأمان في بلدان الغرب. لقد هربوا سابقاً من الدكتاتورية التي حكمت بأسم القومية العربية وها هم الآن بعد ان أضحت تلك الدكتاتوريات في طريقها الى الزوال نراهم -- السكان الأصليون-- يهربون من حكومات الرجعية الدينية وافعال الارهابيين السلفيين الذي يفتقد قاموسهم الى  كلمة المحبة  فهم يرون ان لا وجود للمسيحيين بين ظهرانيهم ،الى اذا أسّلموا أو دفعوا الجزية والتزموا بقوانين الشريعة الأسلامية.

العالم الغربي المتنور بنور الصليب يملك زمام الأمور في اروقة الأمم المتحدة ، وقبل ان يعالج  الغرب مسألة المهاجرين المسيحيين المتفاقمة بأستقبالهم على اراضيه -- وهو مشكورعلى  ذلك -- يكون الأفضل والمطلوب هو الأنتباه الى ما يجري في العراق وربما في سوريا لاحقا ، عبر الأنتخاب او الأرهاب ، من تحولات نحو التزَمّت الديني والسلفي. ان هذه التحولات هي بالضد من مصالح الأقلية المسيحية التي لا سند لها فتضطر الى هجرة اوطانها الأصلية وفي ذلك يتعرض ابناءها الى المخاطر ومنها الغرق في البحار كما  حصل لشهداء عيد الصليب. ان رعاية مصالح مسيحيي الشرق الاوسط يجب ان تكون مسالة دولية وتعالج أزمتها الأمم المتحدة واِلا فان هذه المنطقة سوف تفرغ من سكانها الأصليين ويصبح الشرق الأوسط اسلامياً ويا  ليته كان معتدلاً يقبل بالأقلية المسيحية بين ظهرانيه ، لكن تجربة العراق تؤكد بطلان مثل هذا التصور.

حادثة عيد الصليب التي مَثلها هو مَثل سميل وصوريا هي نموذج محاولة الشر للنيل من الحق وقد ينجحون في هذا العالم الفاني كما فعل أشرار الحادي عشر من ايلول، والتي تمر ذكراها ايضاً هذه الأيام، ولكن هيهات ان  ينجحوا في العالم الروحي  فمصيرهم الجهنم الأبدية لأنهم رفضوا المحبة التي اوصى بها المسيح والتي تألم على الصليب كي يعلمها لكل شعوب الأرض. فيا ويل لمن لم يتعلم منه ، وهو الأله القدوس الذي تأنس لأجل ان يعطينا درساً بليغاً في المحبة التي تضمن العدالة الأجتماعية وتحقق السلام  وهي دوماً السُلم الى ملكوت السماء.

الضحايا في حادثة بحر ايجة كانوا مسيحيين سئموا الحروب التي لأجلها فقد كل بيت باقل تقدير واحداً من ابنائه فداءاً لغرور نيرون العراق فقد ووقف هذا المغروربالضد من العالم كله وفي قلبه القاسي ان يجعل من العراقيين كلهم –عدا عائلته طبعاً—وقوداً لأرضاء كبريائه، فماذا لو احترق العراق كما احترقت روما من قبل! في قلبه لم تكن مخافة الله فكيف تراه يخاف تهديدات العالم كله. المسيحية لم تدخل قلب نيرون روما، لا بل انه اضطهد المؤمنين بها بوحشية، ونيرون العراق ايضاً لم يكن يخاف الله وقلبه خلّا من الرحمة التي وعظ  بها المسيح ، ففي الوقت الذي كان يبني قصوره الضخمة والفخمة في كل بقاع العراق كان شعبه يتضوع جوعاً ولا من أحد يستطيع الأعتراض. هكذا لم يبقى للعراقيين، وبالأخص المسيحيين منهم ،من سبيل الا الهروب من جحيم دكتاتوريته ، لأجل خلاصهم وخلاص أجيالهم اللاحقة. وللأسف بعد زوال الدكتاتورية لاحت في الأفق بوادرالتعصب الديني أكثر من ذي قبل: الحجاب المفروض عنوة صار يحجب بصيرة الحق، الطائفية والعشائرية والفساد غلبت الوطنية والوطنيين، والأرهاب تفاقم. ولذا استمر نزيف الهجرة الى ما لا يُحمد عقباه.

 لأجل ان يبقى الصليب عالياً ومنيراً في العراق وسوريا وأحياءاً لذكرى شهداء عيد الصليب الذين غرقوا في بحر ايجه وكي لا تتكر هذه الحادثة وكي تكون عبرة، فاني ارفق رابط  الصوت ادناه لقصيدة تحكي  مأساة الغرق التي حدثت في بحر ايجه ليلة عيد الصليب من عام 1992.  

قصيدة مَركَب الموت

 كما يسرني ان ارفق الرابط الصوتي لأغنية " كَامي دموثا " للفنان الأسطورة آشور بيث سركيس الذي لم يدع هذه المأساة من ان تنسى بل تبقى مسجلة للأجيال بصوته الرخيم.                                  أغنية "كامي دمَوثا" للفنان آشور بيت سركيس

   

وأدناه نص القصيدة للشاعر حنا شمعون:

 كما اود ارفق المقال هذا بقائمة الشهداء حسب ما وصلني وبامكان العارفين بالضحايا ان يكتبوا لي في حالة خطأ في الأسماء اواضافة اسم فاتني معرفته من اجل التوثيق الصحيح. كذلك ارفق بعض الصور ومنها صورة تظهر ان المركب كان مثقوباً في الأصل وعديّمي الضمير لم يكن يهمهم هذا ، وأسلموا هؤلاء الأبرياء الى الغرق المحتوم.

                                                               حنا شمعون / شيكاغو            

أسماء شهداء عيد الصليب:

1- صليو حنا تبو سامانو من اهالي منكَيش

2- فريدة ايشو شمعون من اهالي منكَيش

3- منال صيو سامانو من اهالي منكَيش

4- منار صليو سامانو من اهالي منكَيش

5- ماهر صليو سامانو من اهالي منكَيش

6- وردا حنا كَكَي من اهالي منكَيش

7- سميرة توما من اهالي منكَيش

8- مريم وردة كَكَي من اهالي منكَيش

9- الينا  وردة كَكَي من اهالي منكَيش

10- أمير توما من اهالي منكَيش

11- أميرة فرحو ، زوجة أمير توما

12- ايفل أمير توما من اهالي منكَيش

13- بطرس توما منصور من اهالي منكَيش

14- دريد بطرس توما من اهالي منكَيش

15- يطرس زيا يوسف من بني آشيثا

16- يونيا كوريا سيفو من بني آشيثا

17- لندا بطرس زيا من بني آشيثا

18- سلام بطرس زيا من بني آشيثا

19- وسام بطرس زيا من بني آشيثا

20- بسام بطرس زيا من بني آشيثا

21- ولسن عوديشو هاول

22- جونسون عوديشو هاول

23- رائد عائد يونس

24- لبيب كريم القس يونان، من القوش

25- نادر رحيم ديشا

26- نشوان سعيد همو من القوش

27- ماهر حميد حناني

28- باسم الياس ايليا من القوش

29- سوزان من القوش

30- برتا باسم الياس من القوش 

31- هيثم  من القوش

32- أياد كمال عبد الأحد

33- سلام ...

34- بشار عبد همو، من القوش : وهو الناجي الوحيد من هذه الفاجعة ويعيش حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية.

 ملاحظة: اي تصحيح او اضافة الى هذه القائمة مشكور عليها، والرجاء الأتصال بكاتب المقال.

   

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جلجلة سميل

 مع طلعة القرن العشرين كان ميلاد الحركة القومية الآشورية ، شأنها شأن بقية الحركات القومية التي ظهرت وحددت معالم التكوين الجغرافي والسياسي لبلدان اوربا والشرق الأوسط. وكان ميلاد هذه الحركة عسيراً بعدما ما يزيد عن خمسة وعشرين قرناً من سقوط نينوى وبعد الشؤم الذي اقرنه ناحوم اليهودي بمصير هذه الأمة اذ ورد في سفره 3، 18-19 " نعست رعاتك يا ملك آشور ، اضطجعت عظماءك وتشتت شعبك على الجبال ولا من يجمع ، ليس جبر لأنكسارك ، جرحك عديم الشفاء  وكل الذين يسمعون خبرك يصفقون بايديهم عليك  لأنه على من لم يمر شرك على الدوام " . هذا هو توثيق تاريخي لسقوط نينوى من قبل شاهد عيان يهودي مسبي كان يعيش في القوش الى الشمال من نينوى العظيمة . 

كبير الانبياء ، اشعيا الذي تنبأ عن ميلاد المسيح في الزمان والمكان الحقيقين، عبر عن الخطيئة الزمنية لبني آشور وهي القساوة والشدة وتجاوز الصلاحيات  حيث ورد في نبوته 10،5-7 " ويل لآشور قضيب غضبي والعصا في يدهم  هي سخطي، على امة منافقة ، ارسله وعلى شعب اوصيه ليغنم وينهب نهباً ويجعلهم مدوسين كطين الأزقة ، اما هو فلا يفتكر هكذا ولا يحسب قلبه هكذا بل في قلبه ان يبيد ويقرض امماً ليست بقليلة".

لكن الرب رحوم وغفور وحسب الأيمان المسيحي فقد ارسل ابنه الوحيد ليُكفِر عن خطيئة الجنس البشري وهي خطيئة الكبرياء التي اقترفها آدم وحواء ، كما جاء في العهد القديم . هكذا وايضاً تنبأ اشعيا النبي بالخلاص  لبني آشور ومباركة الرب لهم في الزمن الآتي مع أقرانهم المصريين ولأسرائليين حيث جاء في نبوته 19، 23-25 " في ذلك اليوم تكون سكة من مصر الى آشور فيجيء الآشوريون الى مصر والمصريون الى آشور ويعبد المصريون مع الآشوريون في ذلك اليوم يكون اسرائيل ثالثاً لمصر وآشور بركة في الأرض  بها يبارك رب الجنود قائلاً مبارك شعبي مصر وعمل يدي آشور وميراثي اسرائيل"

مع بداية القرن العشرين جاءت كل الدلائل لتشير الى قرب الزمن الموعود لبعث امة آشور من جديد . البعثات الآثارية  الغربية كشفت عن ميراث هذه الأمة . المؤرخون الكنسيون ، ومنهم أدي شير في كتابه " كلدو وآثور" وجد العلاقة الصميمية بين الشعب المسيحي في كنيسة المشرق ( سورايّ ) وبين الآشوريين الذين طُمرت حضارتهم تحت الأرض بعد سقوط امبراطوريتهم عام 612 ق. م.

في الزمن الموعود تحرك الاثوريون الساكنون في تركيا وايران ( اورمي، جيلو، تياري وهكاري ) صوب البلاد التي فيها كانت مدينة اجدادهم، نينوى العظيمة، لكي يتم ما قيل عنهم وعن اقرانهم بالنبي اشعيا وفي زمن فرز القوميات والأمم وتحديد الدول. مثل هذا الأمر حدث وحلّ على يوسف البتول وخطيبته مريم العذراء، حينما شدّوا الرحال وذهبوا الى بيت لحم كي يسجلوا فيها لأنهم كانوا من بيت داؤود وتلبية لأمر من اغسطس قيصر بأن يكتتب كل المسكونة، لوقا 2، 1 وكان ذلك تحقيقاً لنبوة  اشعيا  بذلك الخصوص. والجموع الآثورية لم يكن لها مسكن ايضاً في موطن اجدادهم فحلت في مخيمات بعقوبة وهناك كان مولد قضيتهم مثلما كان مولد المسيح في مغارة بيت لحم.

وكما ان الرومان كانوا قد بسطوا نفوذهم على اليهودية ، هكذا كان العرب قد استولوا على ارض  آشور وظنوا ان الخطر الاثوري عليهم جسيم وفي نفس الوقت خان العهد ، الأنكليز وما أشبه دورهم بدور يهوذا الأسخريوطي  في هذه الدراما ، اذ اسلموا حلفاءهم، الآثوريين، لسيف الحكومة العراقية العربية من أجل منافع اقتصادية في المنطقة ومنها النفط وحدث ذلك كله عام 33 من القرن العشرين في قرية سميل ، تماماً كما أسلم يهوذا السيد المسيح، من أجل حفنة من الفضة، للرومان ليصلب على علوة الجلجلة  وكان عمر المسيح  حينذاك  33 سنة .

حين حميّ الوطيس وبدات المذبحة، تنكر للأسم والمسوؤلية بعض الآشوريين وهم من صلب آشور حينما ادّعوا الكلدانية  ولا صلة لهم بالآثوريين . هذا ما تصرف به تلاميذ المسيح وعلى راسهم بطرس اذ نَكر خائفا سيده المسيح، ثلاث مرات قبل صياح الديك ، لوقا 22 ، 61- 62 ثم كان ان نَدم بطرس ندما عظيماً وحمل على عاتقه تكملة رسالة المسيح ومات شهيداً ومصلوباً بالمقلوب لأجل معلمه. أليس هذا ما يحصل اليوم حيث ان ابناء الكنيسة الكلدانية ؟ فهم المحركون والمدافعون عن قوميتهم الآشورية  وهناك من استشهد لهذه الغاية النبيلة.

اورَدتُ كل ما تقدم من المقارنة لأني اعلم جيداً ان امة كان افول نجمها قبل ما يقارب الخمسة والعشرون قرناً وعلى مدى هذه الفترة الطويلة كانت عرضة للأضطهاد والقهر والصهر من قبل امم اخرى استولت على موطنهم وأحالت أخلافهم الى اقلية مستضعفة  ومؤمنة بدينها المسيحي ضمن كنيستها الشرقية ومحتفظة بلغتها وعاداتها وتقاليدها وموطنها. مع ايماننا بأن الرب  القدوس اسمه يعرف تدبيره ، نقول ان عودة الأمة الاشورية الى دورة التاريخ  بعد نسيان دام كل هذه القرون ، ما كان ليحصل لولا المشيئة القوية لأبناء هذه الأمة واستعدادهم للتضحية والفداء لتحقيق الغاية وهكذا كانت مذبحة سميل عام 1933  هي الحَدث الجلل الذي بعث الأمة الاشورية من جديد لتكون الأساس والنبراس الذي يضيء الطريق للمضي قدماً لأثبات الوجود القومي الاشوري على ارض بيت نهرين، تماما مثلما كانت حادثة صلب المسيح على الجلجلة ومن ثم قيامته هي األأساس القويم لأنتشار المسيحية في العالم.

مذيحة سميل ستبقى جنح وجناية ارتكبت بحق الآثوريين الذين التزموا الحق حينما هجروا موطنهم في تركيا وايران وجاءوا الى الوطن الأم بيت نهرين الذي ينتموا اليه اصلاً. مذبحة سميل ستبقى عار وخطيئة في اعناق الذين ارتكبوا فظاعتها . يقول اكاتب السوفيتي  البرت م. منتشاشفيلي في كتابه المسوم ( العراق في عهد الأنتداب البريطاني ):

" هكذا نُهبت خمسون قرية من اصل اربع وستين قرية آثورية كانت موجودة في قضائي دهوك والشيخان وقد استمر النهب في بعض الأماكن عدة أيام كما ان بعض القرىاحرقت برمتها .. وهكذا ساد الأرهاب بضعة ايام وفقدت الكثير من العوائل اربابها وظلت الجثث في حالات كثيرة غير مدفونة ولكن كل ذلك يتضاءل بالمقارنة مع ما حدث في سميل ويذكر الكاتب انه في سميل وحدها قُتل أكثر من (300) شخص والعدد الأجمالي  جاوز الألف ومعظمهم  من المزارعين المسالمين وعوائلهم.

الأب بولس بيداري ، من ابناء الكنيسة الكلدانية وأحد الرواد القوميين الاشوريين كان شاهد عيان لهذه الجريمة  وكتب قصيدة طويلة بالسريانية حول هذه المذبحة تحت عنوان " جنح سميل " والى القاريء الكريم اُترجم بعض مما جاء فيها :

من صوت البنادق وصوت السيوف وصوت الصراخ

من بكاء الأطفال وقف النهار

زاد البكاء المرير للأم، والأخوات ينتشنّ شعرهنّ ويضربنّ على صدورهن

قائلات: يا الهنا الرحيم الجبار انقذ هذه الثمار من هذا النار

   ثم يردف ويقول:

اِصطبغت اللأرض بدم الأنسان ، انه منظر محزن

وصلت الرائحة الى اعالي السماء ، انها الذبيحة قد اكتملتْ.

 

وتمضي القصيدة لتصف بشاعة هذه الجريمة النكراء التي هي بحق الذبيحة الأنسانية، مقارنة بلذبيحة الألهية التي أكملها المسيح المخلص على الجلجلة. وأن كنا نحن البشر لا نستطيع ادراك معنى الذبيحة الألهية بالكامل، التي هي جوهر سر الفداء والذي هو اساس الأيمان المسيحي، فان الذبيحة النسانية وهي الأستشهاد من اجل الحق  والعقيدة وهي لا يصعب عن ادراكها العقل البشري  ولذا فاننا جميعاً نعتبر الشهداء أسمى منا وهم خالدون في ذاكرتنا ونتذكرهم بوقار على مدار السنة وخاصة في يومهم الأغر يوم ذكرى الشهداء.

بالنسبة لنا نحن الآشوريون ستبقى سميل نقطة التحول في تاريخنا المعاصر ،  سميل كانت العماذ المقدس الذي أعطى الآشورية كينونتها  كأمة سليمة تستحق البقاء بين بقية الأمم والتي أعطاها سيدنا يسوع المسيح  المصداقية الكاملة حينما شرفها بكلامه الذي تزول السموات  والأرض اما كلماته فلا يزول، اذ قال في انجيله المقدس : رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان وهوذا أعظم من يونان ههنا . لوقا 11، 32.

 سميل كانت السبب في تنامي الشعور القومي لدى الشباب الآثوري  ومن ثم  انتقاله الى بقية الطوائف  فكانت مطكستا في سوريا حيث الغالبية من كادره هم من السريان الأرذوكس، وكان زوعا في العراق الذي غالبيته من الكلدان الكاثوليك.. سميل هي جعلت يوسف ويوبرت ويوخنا يصمدون امام جلاديهم  ليعطوا الزخم في في حركة الأمة الآشورية في التقدم الى الأمام والمطالبة بكامل حقوقها في ارض الرافدين.  

 

في الختام ،يشرفني ان ارفق مع  كلماتي هذه رابط  قصيدة " جلجلة سميل "، المكتوبة باللغة السريانية والتي خاتمتها تقول: " سميل ستبقى كفة الميزان التي نزلت ليرتفع في الكفة الأخرى الأسم الآشوري المقدس ".

المجد والخلود لشهداء الأمة الآشورية المعاصرة.

                                                                                     حنا شمعون " فخور بحضارة آشور"

 

للأستماع الى قصيدة  "جلجلة سميل" أنقر هنا لطفاً


 

من نحن؟
كلدان، آشوريون،
أم سريان!


 حنا شمعون / شيكاغو 

 من المثير  للتساءل  اننا في العصر الحديث ، لازلنا نحن مسيحيو العراق  نبحث عن اسم قومي  نُعرّف به و نتغاضى عن الحقيقة الظاهرة امامنا في تسميتنا بكل جلاء حتى نتخبط كالجهلاء لانعرف من نحن وما هي هويتنا القومية! هناك من يقول نحن آشوريون، كونها التسمية القومية الحقيقية ولأجلها قدموا الشهداء وأسسوا الأحزاب والمنظمات القومية.  وهناك هؤلاء الذين لا تعجبهم الآشورية لأنها هي نفسها الآثورية ظنناً منهم ان الآثوريين هم نساطرة أما هم  لكونهم  كاثوليك ولهم لهجة مختلفة عن الأثوريين النساطرة، فلا يمكن بأي حال من الأحوال ان تجمعهم   قومية واحدة مع  الذين يستبدلون الحاء بالخاء فيقولون خوبا بدلاً من حوبا ويا للشناعة أيضاً!  فأنهم يقولون ملكتا بدلاً من ملكثا. بما ان هولاء هم الغالبية ولهم الحرية ،في اختيار قوميتهم  بعد زوال شبح الدكتاتورية ولذا فانهم كلدان وكلدان فقط، تيمناً بأسم كنيستهم ونكثاً بالنسطورية والمنتمين اليها من " الخائيين".  

ايضاً ظهر المدّعين بالقومية السريانية او الارامية  وهم اذن سريان حيث ان ثقلهم في سهل نينوى هو كبير. وهم يدّعون ايضاً انهم ليسوا بالآشوريين او الأثوريين ولا بالكلدان وهم على طائفتين كاثوليك  وأرثذوكس ( يعاقبة) مما يعرقل  بلورة رؤيتهم القومية.

ولذا جاءت المحاولات من الوحدويين لأنهاء المشكلة، التي اتذكر ان الأستاذ سعدي المالح، اثناء زيارته الى شيكاغو من أجل لمّ الشمل، تنبأ بالمشكلة قبل السقوط - وكان في ذلك محقاً وواقعياً- فكان ان  استعمل  الخيّرون التسميات المركبة  و المؤقتة والتي منها الكلدوآشوريون والكلدان السريان الآشوريون آملينَ تحقيق الوحدة والأسم الموحد.

هل حقاً ان المشكلة هي بهذه الضخامة بحيث اننا لا نعرف انتمائنا القومي؟

بسبب تسمياتنا المختلفة وتسمياتنا القطارية اللامعقولة نجد انه في كثير الأحيان  المتحدثون والمسؤلون من العرب والأكراد يتجنبون ذكرنا وذلك  بسب وجود عقدة في تسميتنا وهم لا يريدون احداث اشكال  بحيث  يرضون احد الأطراف على حساب الاخر وان ذكروا الأسم المركب  فان عليهم حفظ بيت من قصيدة فنراهم في غالب يذكرونا كمسيحيين  لتجنب الأشكال وهنا انا لا الومهم  على هذا الأمر. انه سخف وعار علينا نحن المسيحيون  الذين من المفروض ان نتبع المسيح ونعرف النور والمحبة،  ان نعيش  في ظلام دامس وقلوبنا تعمر فيها البغضاء تجاه بعضنا البعض فبدلاً من الأتحاد انقسمنا الى طوائف تتنافس فيما بينها  وتحسد الواحدة  الأخرى حين ينتخب واحد من ممثليها لنيل منصب حكومي بارز أو حين تفوز قائمة أحد الأحزاب في الأنتخابات الوطنية.

  ليسمح لي القراء الأعزاء ان اعرض حججي وسوف استمع بمحبة الى حججهم وانتقاداتهم فيما بعد، فقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى  ولم أعد اتحمل حالة الأنقسام ، التشرذم ،عدم القبول بالأخر، القبول بالزيف، حمل الضغينة في القلوب، والعدول عن الحقيقة وغيرها من السلبيات  التي تعدت الى  كنائسنا  ومقابرنا وقرانا ونوادينا الأجتماعية والرياضية وعشائرنا وحتى مغنوننا الأحباء احتاروا في أمرنا وصار هناك قيود لحفلاتهم واغانيهم وابداعاتهم.

الكلدان عبر التاريخ وقبل المسيح قرأت عنهم وعرفتهم على مرحلتين فقد ذُكِرَت أخبارهم في كتاب العهد القديم. في المرحلة الأولى حين جاءت العبارة  "وخرج ابراهيم من اور الكلدانيين" وكان ذلك الفي سنة قبل الميلاد حسب  زمن ابراهيم الوارد في العهد القديم وليس هناك اية أدلة تاريخية من الآثار لهذا الحدث  التوراتي لكنه سجل بعض المؤرخين ان ابراهيم ونسله  هم من الكلدان وان العرب المستعربة " العدنانيون ، أو " الأسماعيليون" أصلهم كلدان ولغتتهم كانت كلدانية التي تطورت عبر الزمن الى العربية لغة القرآن الكريم.  

الذكر الثاني  للكلدانين هو انهم فئة، ربما آرامية الأصل اشتهرت بعلوم الفلك، عاشت في بابل وجنوب يبت نهرين ، كانو مناوئين لحكم  الآشوريين ولذلك  بالتعاون من الميديين أسقطوا  الأمبراطورية الآشورية عام 612 قبل الميلاد ليؤسسوا امبراطورية بابل الحديثة او الثانية، التي استمرت حوالي ثمانون عاماً وهذا موثق في  العهد القديم  وفي الاثار التاريخية ايضاً. الواجب ذكره هنا ان امبراطورية بابل الثانية لا صلة لها بامبراطورية بابل الأولى والتي كانت في عهد حمورابي حوالي عام 1800 قبل الميلاد وأن ذَكرّنا البابليين لا يعني بالضرورة اننا نقصد  الكلدان.

 اما بعد المسيحية  فقد كان ذكر الكلدان عام 1445م حين اوعز االبابا اوجين الرابع بتسمية نساطرة قبرص، في عهد المطران طيماثوس المتحولين الى الكثلكة، بأسم الكلدان من أجل التمييز عن النساطرة الهراطقة في نظر الكنيسة الكاثوليكية في روما. وبعد ارتباط يوحنان سولاقا عام 1553م بكنيسة روما ظهرت التسمية هذه مرة اخرة ولكن بأشكال مختلفة مرة ملاصقة لبلاد آثور، ومرة يلتزم بها البطاركة الكاثوليك  ومرة أخري كانت صفة للبطاركة النساطرة، الى ان استقرت مع البطاركة الكاثوليك وكان أول من استعملها البطريرك يوحنان هرمز أبونا عام 1830 للميلاد ،  الذي انشق عن الكنيسة النسطورية وتبع روما موسساً الكنيسة الكلدانية ومقرها الموصل في حين انتقل اعمامه النساطرة شمالاً نحوالجبال مؤسسين كنيستهم في  قوجانس. أستمرت  سلسلة يوحنان  هرمز الى يومنا هذا حاملة معها اسم بابل ليكون اللقب  الشائع" بطريرك بابل على الكلدان" والذي هو حالياً مار عمانوئيل الثالث دلي والذي يعتبر الرئيس الأعلى للطائفة الكلدانية في العالم ومقره الآن هو بغداد حيث أثار المدينة التاريخية ساليق قطيسفون خليفة بابل والتي يسود الأعتقاد أن  فيها كان تأسيس  كنيسة المشرق على يد مار ماري وهو من رسل المسيح الأثنان والسبعون.

 اول ظهور قومي  سياسي حديث للأسم الكلداني كان حين آل النظام الدكتاتوري في العراق للسقوط في العقد الأخير من القرن الماضي  وظهر اول حزب قومي كلداني عام 1999م  وهو الحزب الديمقراطي الكلداني  في كردستان العراق. ثم ظهرت منظمات اجتماعية  وثقافية كلدانية اتخذت بعضها الطابع السياسي والحزبي. وهذه الأيام حين اقرأ لمُنظّري  الكلدانية فأني احتار في أمرهم فهناك من يحسب الكلدان قومية شاملة تشمل الآشوريين واصفينهم بكلدان الجبل أوالكلدان النساطرة. وهناك ايضاً آخرون تبلور عندهم  موقف انفصالي  ويحسبون انفسهم قومية منفنصلة عن السريان والآشوريين  وأن نسبتهم هي اكثر من 80% من مسيحيي العراق. لابد ان أذكر هنا، ان منظري الكلدانية الحاليين لم يتربوا على المباديء القومية الكلدانية ، وهذا ظاهر من اسماءهم وأسماء أولادهم وبناتهم كما ان الغالبية لا يتقنون  قراءة وكتابة اللغة الكلدانية ، الا اذا كانوا شمامسة الكنيسة، وان تكلموا بها فيكون كلامهم مطعماً غالبه بالعربية خاصة الذين تربوا في المدن. كذلك ان اللافت للنظر هو استنساخ الكلدان المعاصرين، مؤخراً، لمناسباتهم القومية على غرار الآشورية ولكن بقليل من الأختلاف مثل تبنيهم للعلم الثماني بدلاً من الرباعي والأحتفال بعيد اكيتو، رأس السنة، في نفس اليوم ولكن بسنة  أقدم وأختيار يوم الشهيد الكلداني من ذكرى أحداث مجزرة صوريا كما فعل الآشوريون من قبل في احياء ذكرى مذبحة سميل. بالمناسبة ان الكلدان فطنوا الى هذه المذبحة بعد ما يزيد عن الخمس والثلاثين سنة!! وهناك محاولات لتثبيت نشيد قومي خاص على غرار الأناشيد القومية الاشورية وهي كثيرة. وآخر الصرعات في هذا المضمار هي انشاء مجلس قومي كلداني ( فدريشن) واتحاد الكتاب والأدباء العالمي الكلداني.

 السريان لفظة أطلقها العرب على الناطقين بالسريانية وفي نظرنا ان السريانية كانت لغة كنسية وأدبية أكثر مما كانت محكية، مثلما هي العربية الفصحى. وهي تعتبر احدى لهجات الأرامية والتي كانت منتشرة في  منطقة الرها، من أعمال سوريا . وهناك من يقول ان السريان هم أصلاً اراميين اما لماذا غيروا اسمهم الى السريان ؟ فالسبب وهو عجب! لنبذ الارامية الوثنية وهذا ما لا أميل إليه لأن المسيحية الروحانية لم تأتِ لتُغير اسماء الأمم كما فعل الأسلام الدنيوي الذي غير انتماءآت معظم الأقوام التي غزوها الى العروبة بسبب كون القرآن مكتوب بلغتهم، ثم لماذا كنيسة روما تشبثت بالأسم الكلداني  وهو اسم وثني ايضاً. السريان من السريانية وكلاهما من أصل آشوري حملهما الينا الأغريق. ان قال احدكم ان السريان من الآراميين فأني  ازيد: اذن العوسج  يجنى منه التين!! يا اخوان هاتونا حججاً أساسها متين... حججاً منطقية لا حججاُ وهمية.

يقول أحدهم وهو ينقل – في نقله ابهام ، الرجاء ملاحظته - عن المؤرخ الرهاوي المجهول ما يلي: "ان لفظة سوريا والسريانية متأتية من اسم الملك سوروس الآرامي الأصل، الذي ظهر قبل النبي موسى وهذا احتل بلاد سوريا وما بين النهرين ونسبت اليه وسميت  بسورسين ثم حذفت السين فصارت سوريين [؟]" !! وكتب هذا الكاتب ايضاً يريد اثبات بديهيّاته "قال اليعقوبي: السريانية لسان آدم وأولاد نوح". اترك مثل هذه الأقوال الوهمية لحكم القاريء اللبيب.

ومثل ما حصل للكلدان الكاثوليك بعد سقوط النظام الدكتاتوري ، سمعنا ولأول مرة في العراق بمنظمات وأحزاب  تدَّعي القومية السريانية المنفصلة عن الكلدان والآشوريين.

الواجب ذكره ان السريان والسريانية، باللفظ العربي، كانا المتداولان لدى المؤرخين العرب في العصر الأموي والعباسي وفي كثير من الكتب المؤلفة في ذلك الحين. ولكن التسميات هذه في نظرنا هي مشتقة من الأسم الآشوري، كما سنوضح لاحقاً. كذلك ان جهابذة القوميين الآشوريين في اوائل القرن العشرين كانوا من طائفة السريان الأرثذكس وهم كل من آشور يوسف خربوط، نعوم فائق، و ديفد بيرلي وفريد نزها وغيرهم . وجدير بالذكر ايضاً ان المنظمة الآثورية الديقراطية  وقد تأسست عام 1957م وجُل مؤسسيها كانوا من السريان الأرثذوكس واليوم لا تستطيع ان تفرق بين من هو من الطائفة السريانية او ذلك الذي من الطائفة الآثورية من أعضائها. 

اما ألاثوريون" ويعنى به الآشوريون " فقد ظهر اسمهم المذهبي على المسرح السياسي عام 1868 م،  بتعضيد من المبشرين الأنكليكان اثر ظهور الأدلة التاريخية  الآثارية للآشوريين  في شمال بيت نهرين وربما كرد فعل  للأسم الكلداني  المُتبَنى من قبل الكنيسة الكاثوليكية . حمل الآثوريون الراية القومية الى جانب الراية المذهبية  المتمثلة بالنسطورية رغم ان بعضهم ، في اورمي وباز،  انتموا الى الكنيسة الكاثوليكة لكن شعورهم القومي كان آشوري  واحيانا كلدوآشوري وذلك تعبيراًعن ارتباطهم القومي بكلا الكلدان والآشوريين  ( بابل ونينوى) ، لكونهم منتمين الى الى الكنيسة الكلدانية، وفي نظرنا ايضاَ بسبب الطروحات الكلدوآشورية للمطران ادي شير رئيس اساقفة سعرد ومؤلف كتاب تاريخ كلدو وآثور عام 1912 للميلاد.

بكل الأحوال لنعد الى الآشوريين  ونطّلع على تاريخهم  القديم حسب ما تَقُره كتب التاريخ، فان ظهورهم على المسرح السياسي  كان لما يقرب 1200 عام وكانت البداية في القرن الثامن عشر قبل الميلاد  والمائة سنة الأخيرة من حكمهم كانت العصر الذهبي وأنجبت ملوك عظام  بدءاً ب تغلات بلاسر الثالث،  سركون الثاني،  سنحاريب ،اسرحدون وأخيراً آشوربانيبال الملك العظيم. انتهى حكم الآشوريين بثورة  الكلدان في بابل بعد التحالف مع الميديين، أعداء الآشوريين التقليديين، لتسقط اعظم امبراطوريات التاريخ القديم عام 612 ق. م. بسقوط نينوى اكبر مدن زمانها.

كُتاب العهد القديم يذكرون الكثير من تاريخ الآشورين، فهم عَصاة الرب وهم جُبلة يد الرب وسفر يونان بكامله يدور حول صوم نينوى وتوبة اهلها. أشعيا تنبأ بعودة آشورمثَلها مَثل كل من  مصر وأسرائيل ( اشعيا -19-25) وفي رأينا ان النبوة هذه تحققت بأكتشاف حضارة آشور لتملأ  متاحف العراق والعالم في بداية القرن العشرين الميلادي. وهكذا ايضاً بالنسبة الى تأسيس دولة اسرائيل وعودة تسمية مصر الفرعونية بعد محاولات طمسها ضمن الجمهورية العربية المتحدة. والمسيح ( له المجد) نطق  بأسم أهل نينوى معطياً اياهم المصداقية في صومهم وتوبتهم ( متي 12 – 41 )

في عهد المسيحية ورد مراراً الأسم ألآثوري او الآشوري في الكتب التي تركها لنا آباء الكنيسة الشرقية ولكن الأسم تفجر مثل البركان بعد الأستكشافات الأثرية في بلاد النهرين مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي وقد تبنته الكنيسة النسطورية  في قوجانس كما ذكرنا وأصبح بطريركها يمثل الرئاسة الدينية والدنيوية. و في آب 1933م كانت مذبحة سميل بحق الآثوريين  والتي على أثرها تأسست المنظمات والأندية والأحزاب الاشورية لتصبح بالعشرات ان لم نقل المئات وقد تعاون في تأسيسها،  السريان الأرثذوكس والآثوريون والكلدان نظراً لما عانوه سواسية من المذابح ابان الحرب العلمية الأولى. وفي عام 1985 نال اكليل الشهادة ثلاث من خيرة الشباب الآشوري علي يد النظام البعثي وهو امرسيجعل الشعلة الآشورية متوقدة على الدوام. هذه هي قرآتي وما عايشته بأختصار شديد والتي اود ذكرها في هذا المجال الضيق.  

  اعلاه كانت طوائفنا المذهبية التي تفرقنا . التفرقة هذه هي حصيلة ضعف ايماننا المسيحي  وهي ليست اطلاقاً مرتبطة بمسيحيتنا ( وحاشى ) التي اصلاً جاءت لكل البشر من غير النظر لأصولهم العرقية .وسلطة الرؤساء الدينين هي سلطة روحية وليست دنيوية خاصة في العصر الذي نعيشة حيث ان عالم اليوم مقسم الى دول علمانية  تتفاوت في صغرها مقارنة  بالأمبراطوريات  التي كان لكل منها دور في حكم معظم العالم وكان لكل منها دينها الرسمي .

 لكل الذين يحسبون هناك فرق بالقومية بين الكلدان والسريان والآثوريين ، اقول انتم مخطئون بكل توكيد.  

قبل ان اثبت ذلك ادعوكم بأسم المحبة التي تدعو  اليها مسيحيتكم  ان تتخلوا عن الضغينة المذهبية التي تُعَمر في قلوبكم وأسمعوا الحقيقة البسيطة المتمثلة بكلمة السورايّ التي هي أرث  لنا من اباءنا وأجدادنا والتي هي بمثابة حلقة الوصل بين تاريخنا القديم وتاريخنا الحديث. السوراي اسم قومي وليس تسمية دينية لأن كلمة المسيحيين في لغة السورث هي "مشيحايي" من اسم المسيح ( له المجد) وهي بنفس المعيار الذي يتسمى به المسيحيون والمشتق من المسيح  في الأنكليزية والفرنسية واليونانية وكل اللغات العالمية لماذا في لغتنا فقط  المسيحي تعني سورايا!! هذه حقيقة جلية واضحة فلا تتغاضوا عنها بدعوى انها تسمية دينية . اصل كلمة سورايا هي آسورايا  ومن له ألمام بلغة السورث يدرك ان الألف هي مُبطلة ولذا فأنها تكتب بالألف وتلفظ بدونها وهذه قاعدة معروفة في اللغة  السريانية من أجل سهولة اللفظ . والسؤال هو ماذا تعني آسورايا ومن أين جاءت. اسمحوا لي ان اكتب هنا معلومات قيّمة جداً لكن الغالبية منكم للأسف تتغاضى عنها، كما أسلفت . آسورايا هي اصلاً آشورايا وغاب الأصل لأن آشور سقطت  وكاد ان يزول اسمها - لكن اطلاقاً ليس شعبها كما يدعي البعض - لولا ان الأغريق من طرف الغرب حين قويت شوكتهم وتوسعت امبراطوريتهم نحو الشرق فكان لا بد ان يسمون الأقوام والبلاد التي كانوا يحتلونها فجاءت كلمة أسيريان وسوريا لعدم وجود الشين في ابجديتهم. هيرودوتس الأغريقي ، الملقب ب ابو التاريخ  والذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، يذكر ان اسم سوريا هو من آشور ومن مصدر هذا الأسم كانت كلمات: السريان ،السريانية، السوراي، والسورث. شتان بين هذا التأويل المنطقي  وبين ما ذكره كل من الرهاوي المجهول واليعقوبي. كما أوردنا أعلاه. اعرف ان البعض منكم لايود سماع مثل هذا البرهان القاطع الى انتماءنا ، نحن السوراي، الى الآشورية وهنا هو لبّ المشكلة التي ليس لها حل الا بتقبلها لكونها حقيقة جلية ورجائي من الناكرين لهذه الحقيقة ان لا يغمروا روؤسهم في الرمال كالنعامات بل يجتهدوا في الموضوع ويحكمون بعدل فأنا على ثقة ان لا أحد منهم ينكر انه سورايا وأبن سورايا. وليسمعني الأخوة االسوراي اين هي حالياً مناطق وجودهم وقراهم واديرتهم وكنائسم ؟ اليست في قلب آشور وجبالها وبأتجاه الغرب حيث الأغريق. هل هذا محض صدفة. ام ان هذه هي مناطق سكناهم  بعد سقوط نينوى حسب ما أوثقه لنا المؤرخ هيرودوتس. الواجب ذكره هنا ان الهجوم على نينوى واحتلال توابعها كان من قبل الميديين ويقال ان السبب كان دينيا حيث ان الكلدان أبوا ان تتلطخ ايديهم في دمار معابد الآلهة التي كانوا والآشوريون يشتركون في عبادتها. بعد السقوط تشتت الشعب الآشوري في الجبال المتاخمة كما ورد في العهد القديم، ناحوم 3-18.

البعض من الكتاب يدَعون ان الأسم السرياني هو من الاراميين. أين العلاقة الأشتقاقية ولماذا ليس من سوريا التي نوهنا عنها أعلاه ؟ بالله عليكم ماذا يسمينا الغرب  أليس أسيريان وما هو الفرق الذي تروننه بين الكلمتين ام ان هذا هو من قبل الصدفة؟ كفانا ضغينة !! ولنقر بالحق والحقيقة. نقول ان ديننا المسيحي هو الحق ولكن حقيقة بسيطة وجانبية لا نريد الأقرار بها  وهذا ليس بالمهم لديّ، لكن لماذا القبول بالخطأ  وسؤالي بكل أسف اوجه الى الأب الفاضل والعلامة المؤرخ البير أبونا الذي مقولته ان الآشوريين اندثروا. وهو صاحب أخبارهم في مؤلفاته الشهيرة بثلاث أجزاء " تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية". ومن اقواله الغريبة ايضاً أن قوميتنا يجب ان تسمى آرامية لأن أصلنا هو آرامي! وليسمح لي حضرته  لماذا لم يترجم لنا، وهو القديرعلى ذلك، كتاب زميله حنا فييّ الدومنيكي والمُعنون " آشور المسيحية " الذي عنوانه هو دلالة لآشورية القرى المسيحية في سهل نينوى.  مسألة اخرى اريد اثارتها في هذا الموجز وهي ان السورث  لا تعني الآرامية لا لفظاً ولا معناً بل هي  تطور من لغة الآشوريين القدماء التي أثرت عليها السريانية الآرامية  وحوتها حسب رأي الأغلبية من كتاب التاريخ  وان كلمة " السورث"  الحالية مرتبطة بالآشوريين وليس بالآراميين. في رأينا ان السورث كانت  الى حد القرون المتأخرة لغة محكية فقط اما  السريانية فقد غدت لغة الطقس الكنسي واليوم نكتب السورث الحديثة بأحرف سريانية آرامية الأصل. وحاضراً غدت لغة كتابية تُحرر فيها الجرائد والمجلات وتُكتب بها القصائد  الشعرية والأغاني ورسائل الأنترنت.

خلاصة الكلام بهذا الصدد ان التسميات : آشوري، سورايا، سوريايا، آثوري، سرياني، أسيريان هي من أصل واحد مثلها مثل التسميات: شمعون ، شمون، سايمون، سمعان وكذلك: كوركيس،جاورجيوس، جرجيس، جرجس، ججو، ككو، جورج، يوركو... وهكذا ايضاً بالنسبة الى:  يوحنا، يوخنا ، يوحنان ، حنا ، جون ، ياني ، ايفان. وكذا ايضأ اسماء  أخرى تاريخية ودينية معروفة. تختلف الألفاظ لأختلاف اللغات والأزمان ولكن يبقى المصدر واحد.

 مرة اخرى، الأخوة الكلدان المعاصرون يعيشون في لب آشور ويدّعون الكلدانية ؟ كيف يكون هذا ؟ الأستاذ المهندس حبيب حنونا وهو باحث ومؤلف قدير وفي ظني انه أخطأ حين كتب في مقالة له، هو ان هولاء الكلدان المعاصرون هم  أصلاً اسرى حرب جاء بهم الآشوريون من جنوب بيت نهرين. أتعجب ان يتخذ الأستاذ  حبيب من هذه النظرية الهشة أساسا لأثبات  وجود الكلدان في سهل نينوى  وهو في كتابه "كنيسة المشرق في سهل نينوى"  لم يتطرق الى هذا الأمر ولكن دوّن هذه الفرضية الهشة في مجلة المنتدى الصادرة في ديترويت قبل سقوط النظام بسنين قليلة وكان أن نسخها  المتعصبون للكلدانية لتصبح نظرية " افتح يا سمسم" وتحل معضلتهم في سبب وجود الكلدان على غير أرضهم ، في قرى سهل نينوى الحالية. عتابي للأستاذ المهندس حبيب كيف بنيتَ بيتاً من رمل على أساس  صخري في أرض آشور. ويبقى السؤال لماذا لم يرجع هولاء الأسرى الى ديارهم بعد سقوط دولة مستعبديهم ، بما لا يناهز الخمسين سنة  كما فعل معظم اليهود بعد سقوط بابل؟ خاصة وان بعد السقوط، سهل نينوى  وكما هو معروف كان من حصة الميديين وليس الكلدان. أستاذنا المؤقر اولاً عدد الأسرى في الحوليات مبالغ به وثانياً  الأسرى لا يمكنهم اطلاقاً ان يقلبوا الموازين السكانية لأسيادهم ومثل هذا الشئ لم يحدث في التاريخ ابداً.

سؤال أخر وعذراَ، ألأغلبية الآشورية قبل سقوط نينوى ماذا حصل لهم هل انقرضوا كما انقرضت الديناصورات اثر نيازك ضرب الأرض او بسبب نظرية التطور؟  قليل من المنطق يا أخوان وستجدون الحل هو في صراع المذاهب وهو واضح للعيان ومؤرَّخ ولا يختلف عليه اثنان من العقلاء.

أسئلة منطقية أطرحها على المؤمنين بالواوات الفاصلة بين قوميتنا الواحدة. برطلا( سريان) تبعد اقل من خمسة اميال عن كرمليس (كلدان)، بلغة واحدة ودين واحد وعادات مشتركة لكننا نحسبهم مختلفين بالقومية! هل هذا منطق ام تعصب مذهبي ونفس الشئ بالنسبة الى قريَّتي ديري وكوماني هما على بعد رمية حجر اوعمر سيكارة واحدة وهم  أبناء عمومة ونسابة فهل لنا ان نقول ان قومية أهل ديري (آثوريون) تختلف عن قومية أهل كوماني (كلدان)؟  أريد الجواب !

حقاً ان الأمر يبعث الى كل هذه التساؤلات الغير المستحبة لا في المناقشة ولا في الكتابة الأنشائية الصحيحة.ولكن ليس لي في الأمر من حيلة خاصة  حين ارى الحقيقة جلية واضحة بينما اخي  الكلداني اوالسرياني في عصر الثقافة والحرية ، لايريد الأقرار بها.

 يذكر الأستاذ الدكتور عبدالله مرقس رابي وهو بروفسور في علم الأجتماع  ان  التنشئة، وليس صلة الدم ،هي التي تبلور الشخصية القومية وبمعنى  يمكن لأخوين ان يصبحا من قوميتن مختلفتين!  وهو يستغل هذا المفهوم  لفصل الكلدان عن كل من الآشوريين والسريان لأن كل منهم نشأ في بيئات خاصة به. لكن أستاذنا عبدالله رابي  نسى ان يطبق حالة التنشئة على الكلدان القدماء الذين كانوا في بابل وحواليها وانتشروا على شكل أقليات في شمال العراق وسوريا وقبرص ، التي كان فيها جالية كلدانية حتى القرن الخامس عشر الميلادي . انا أقول ان كلدان بابل والمنطقة الجنوبية في العراق فقدوا انتمائهم القومي عن طريق التنشئة القسرية باعتناق الأسلام اما بالقوة او مجبرين. اما الكلدان الذين عاشو ا مع المجتمعات التي لم تضطدهم فقد انصهروا مع تلك المجتمعات  طوعاً وهذا ينطبق على  كلدان الجنوب  الذين هجروا الى القرى في شمال بيت نهرين والذين هاجروا الى قبرص هرباً من التضييق الأسلامي عليهم او هرباً من المغول بعد سقوط بغداد على ايديهم.

العلّة، يا استاذ عبدالله، ان كلدان اليوم تعتبرون  تنشئتهم الحالية في كنف الكنيسة الكاثوليكية منذ عام 1830م  حافزاً لحقنهم  بمشاعر قومية منفصلة عن الآثوريين بأعتبار الأخيرين نساطرة . لا يشك احد ان الكنيستين كانتا واحدة وانفصلتا عن بعضها وتباعدتا لحد العداء. انا شخصياً احسب ان الظروف التي ولدت  التباعد بين ابناء القومية الواحدة ( سوراي)  لبعث قومية كلدانية جديدة، خاصة  في العهد الأستبدادي الصدامي البعثي، هي ظروف شبه - قسرية ولا يمكن حسابها على التنشئة الطبيعية . اسمح لي يا اساذنا العزيز ان أقول ان  الكلدانية الحالية ، والمنحسرة على الكاثوليك ، هي طائفة انتمائها القومي هو (السواري) الذين عروقهم آشورية  حسب كل الأدلة  ومقومات القومية الحقيقية وهي اللغة والأرض  والدين والعادات، التي تضمن التنشئة .,اسمح لي ايضاً القول ان المسيحية لايمكن ان تنشيء قومية لأن المسيحية هي روحانية واممية بعكس الأسلام الدنيوي فقد حوّل كل الشعوب التي غزاها الى العروبة بسبب لزومية تعلم القران المكتوب بالعربي  وأملي منك ان لا تفكر بهذا لمنطق.

اسمح لي ان أقول أن الكلدانية الحالية بهذا الضعف البادي عليها لن تقاوم رياح االعولمة العاصفة  والتي ستزيل الصغير الهش قبل الكبير المتعمق الجذور. الآشوريون  قدموا الشهداء في سميل وفي ميادين القتال  وفي سجن ابو غريب الصدامي من أجل تحقيق هويتهم ويعتزون بلغتهم وناهيك ان نصف اسماءهم حالياً هي أسماء من تاريخهم وتراثهم الآشوري . فأين الكلدان الحاليين من مثل هذا الأثبات الراسخ للهوية؟  خذ في نظر الأعتبار يا استاذي العزيز ان هناك الألوف من ابناء الكنيسة الكاثوليكية  يعتبرون انفسهم آشوريون ولكن ليس آثوري  واحد يعتقد بكلدانيته ! أرجوك ان تدرس بموضوعية معنى هذه الظاهرة. أملي ان تكونوا، بمرتبتكم العلمية المميزة، دعاة لجمع الشمل وليس للتفريق الذي سوف يؤدي الى ضعفنا وبالتالي زوالنا . تقول ان عائلتك أصلها من منطقة باز الآثورية فلا تسمح للتنشئة الشبه - القسرية ان تفصلك عن اصلك الآشوري، يا استاذنا الجليل.

اما لماذا الأختيار الآشوري - في اللفظ العربي - ؟ فلأنه اولاً يمثل العمق التاريخي والحضاري لسوراي اليوم،  والذي يجب أن نفتخر به كمكون اساسي  في " الأمة العراقية"  التي نسمع بها هذه الأيام والتي هي خلاص الشعب العراقي من محنته الطائفية المقيتة. ثانياً صعوبة لفظ كلمة " السوراي"  في العربية وثالثأ  وكما اسلفنا ان السوراي  والسريان هو أصلاً تسمية أجنبية للأشوريين. طبعاً لا يمكن نفي ان سوراي اليوم جذورهم ، بالأضافة الى الآشورية، هي كلدانية وأرامية وفارسية  وعربية وتركية.. الخ.  فمن المستحيل ان يسري دم نقي في اية امة لمدة اربعة الآف سنة! كذلك علينا ان ندرك ان فكرة  القومية كانت في طي النسيان لمعظم القوميات، بسبب غطاء الدين، وعلينا ان نعترف انه لأكثر من الفي سنة كانت الآشورية قد خمدت وطغت عليها المسيحية وأصبح الأسم السرياني ( باللغة العربية )  او السوراي ( بلغة السورث)  يعبر في الغالب عن مسيحيتهم ، حتى بدأت مشاعر القومية  تظهر في اوربا والشرق الأوسط من جديد في بداية القرن العشرين وكان للآشوريين ايضاً نصيب منها .  

 سأكتفي بهذا القدر من  البراهين في اننا قومية واحدة مقترحاً ان تكون " آشورية " في اللفظ العربي إرضاءاً للتاريخ والحق. وفي نفس الوقت  اقول انه علينا ادراك ان القومية في هذا العصر قبل ان تكون صلة دم والتزام فهي شعور ومشاعر تشد الكثير منا اليها كهوية قومية وبها نعرف من نحن وأين هو موقعنا من شعوب العالم.

 أملي ان يلتزم كل منا بالحق والحقيقة ولنكن صادقين مع  مشاعرنا ومع  الذات ، نتخلى عن الضغينة التي عَمَرتْ في قلوبنا بسبب المذهب  ونفصل بين المذهب الديني والقومية ونعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

                                                                                                                                                   حنا شمعون / شيكاغو 

 

بخديدا الداميّة، قصيدة وأغنية
 
حنا شمعون / شيكاغو 

 الشاعر نينوس نيراري الذي يعيش في شيكاغو وعينه على الوطن دوماً، يتلقى أخباره الحزينة ليخزنها في الأعماق حتى تتجذر وتلامس القلب ويتحرك لها الدماغ ويخرجها كمخرج بارع بشكل قصيدة، يكتبها وينشرها كي يتلقفها فنان آخر لا يقل شاعرية عن نينوس  وهو الفنان الملتزم عوديشو عوديشو ويحولها الى أغنية تحفظ  لذاكرة الزمن جريمة بشعة ارتكبها الأرهابيون بحق طلبة بغديدة المجتهدين المسالمين وهم في طريقهم الى الجامعة كي يتلقوا العلم والمعرفة ويتخرجوا مهنيين يخدموا الوطن اولاً. هذا ما عهدناه من اهل بخديدا، احدى قلاع آشور في القدم واحدى مصادر الجهابذة في العصر الحديث حيث أنجبت الكهنة الغيورين والشعراء والأدباء المرموقين والمئات من الأكاديميين في مختلف المهن والحرف، علماء، أطباء، ومهندسين وفنانين.

لكن طلاب بخديدا أقوى من حقد الأرهابيين وكما يكتب نينوس ويغني عوديشو:

 

لن يكسر همة الطالب صوت الأنفجار
ولن يوقفوا مساره الى المدرسة
هذا الجبل لن يهتز
التلميذ يقاتل بالعلم وليس بالقوس والسهم

الأرهابيون غايتهم تهجير المسيحيين وزرع الخوف في قلوبهم لكن طلاب بخديدا يخيبون أمالهم كما كتب نينوس بشاعرية وغنى عوديشو بصوته المشحون بالشجن:

 لا تخافي يا ( حبيبتي بخديدا) من لون الدم
الدم يحيي قضية الشعب
مهما قتلوا منا او دسوا السموم
فاننا سنبقى في الوطن بكل تأكيد

 نعم، في بداية شهر أيار الماضي بعث الأرهابيون الذعر في أهالي بخديدا بصورة خاصة والمسيحيون في المنطقة  بصورة  عامة وذلك بتفجير حافلات الطلبة الجامعيين من بخديدا  الذين كانوا في طريقهم الى جامعة الموصل والحصيلة كانت استشهاد أحد ابناء بخديدا والذي قيل عنه انه ضحى بحياته وانذر بقية سواق الحافلات وجنّب حدوث مجزرة  مروعة لكن اصابات الطلبة كانت كثيرة ودموية. هذا هو الأخطبوط الأرهابي الذي امتد الى سهل نينوى وهذه هي معاييره وقيّمه لا يتوانى في ذبح الأبرياء فما هو الحل ؟ الحل كما يفكر نينوس ويردد عوديشو:

ان لم يكن لدينا القوة لحماية الأمة
ان لم يكن هناك من يغير مصيرنا الأسود
تعالوا نرتقي من الهوة الى العلوة
يا أحزابنا المنقسمة قفوا بقامة واحدة

 من المقرر قريبا ان تسجل هذه الأغنية على شكل فيديو كليب فيه الصورة الناطقة لهذه الجريمة  النكراء بحق طلبة العلم، الذين طالتهم يد الحقد والتخلف في ارض كانت يوماً مركز الأشعاع والحضارة.

                                                                                                   حنا شمعون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في ذكرى ميلاده ، المسيح والإيمان بالإله الآب خالق السماء والأرض

 انتظرت كرتنا الأرضية الاف السنين لمجئ المسيح حسب التاريخ اليهودي وربما عشرات الألوف السنيين حسب النظريات العلمية في نشوء المستوطنات البشرية . وعاشت البشرية في ظلمة معرفية للخالق قبل المسيح بحيث لم يكن يعرف الاله الحقيقي، خالق هذا الكون العجيب، الا قلة قليلة من بني اسرائيل . ورغم ان الله ارسل الأنبياء والصالحين للأعلان عن اسمه القدوس لكن الحضارات  القديمة كالمصرية  والبابلية الآشورية والأغريقية ظلت تبتكر من خيالاتها الهة لها فتعبدها وتحتفل بأعيادها.

حسب كتاب العهد القديم لم يقدر موسى النبي ان يقنع المصريين ولا يونان النبي ان يقنع الآشوريين ان يتخلوا عن عبادة الأوثان رغم ان النبيين المذكوريين حملا اعجايب الآله الحقيقي  الى هؤلاء الملوك فآمنوا  آنياَ أو خافوا  منهما وانصاعوا اليهما وبعد ذلك ارتدوا لأن الذين تحدثوا بأسم الرب كانوا بشر مثلهم وحججهم لم تكن مقنعة للعناد البشري.

ولكن قبل 2011 سنة  بالتمام والكمال، بالتحديد المُوثَق شاء الرب ان يكمل  وعده بخلاص البشرية فأرسل ابنه الوحيد " الكلمة " ليحل في الأرض كبقية  بقية البشر، لا بل في هيئة افقر طفل مولود في ذلك الحين . نعم ولد ملك الملوك في مذود مغارة تُدفِئَتها كانت بواسطة زفير الحيوانات، ولد وعاش تعزية لكل فقراء الدنيا دوماً لتصبح حياته حكمة مفادها ليس  مهماً ان تكون ميسور الحال لكن الأهم هو ان تكون روحك غنية بنعمة الرب ولذا فان رسالة المسيح كانت المحبة بين البشر. محبته للبشر بلغت الى حد لايقاس فقد فدى بجسده  الطاهر خطيتنا الأصلية وأنقذنا من النقمة الألهية.

 هذا الطفل، الذي ولد في مثل هذه الأيام الشتائية الباردة، استطاع بالعجائب التي فعلها مع المرضى والعميان والموتى الذين أقامهم ان يؤ ثر في قليل من الذين حواليه فآمنوا به، ولكن اعجوبته الكبرى هو انه اقام جسده الميت ليحل ثانية بين المؤمنين به  ومن ثم ارتفع بجسده الى السماء من حيث أتى، وبهذا عمل شيئاَ خارقاً لا يمكن ان ينجزه الا من له صفه الأله الذي يصنع الخوارق.

ميلاد المسيح تنبأ به الأنبياء وبالخصوص أشعيا قبل ما يقارب السبعمائة سنة من ميلاد المسيح. ولذا فان هذا الحدث كان معداً له ليكون حدثاً فريداً من نوعه ويستحق التمهيد له.

العالم الغير المسيحي لا يعرف عمق المسيحية لكن بلا شك يعرف تاريخ ميلاد المسيح من التقويم المتداول عالمياً منذ 2011 سنة، دون بقية التقاويم التي منها الدينية والقومية؟. وأكثر من هذا ان التاريخ وفق هذا الحدث ( ميلاد المسيح ) يقسم زمن الكون الى عهدين: الى قبل وبعد الميلاد.

 وحالياً يحتفل العالم أجمعه، من مشرق ومغرب الكرة الأرضية، بقدوم السنة الميلادية الجديدة، ويكاد يكون اليوم الأول عطلة رسمية في كل انحاء المعمورة. في ليلة انتهاء السنة الميلادية تكون البداية   في الشرق البعيد في طوكيو وسدني وهونكونك حيث يبتهج الناس وتنار السماء بالمفرقعات ثم تسلم الراية الى موسكو وباريس ولندن في مباراة الأنارة والأبتهاج  حتى ينام اناسها لينتقل فرح  السنة الجديدة الى نيويرك وشيكاغو ولوس انجلس ليرقص ويمرح الشباب والعباد حتى الصباح. هذا اضافة الى ان في موسم الميلاد ( الكرسمس) تشهد الأسواق حركة بيع كبيرة وتزان البيوتات والمحلات والساحات احتفاًء بميلاد المسيح.  هل ان كل هذا هو من أجل طفل ولد في مغارة وضيعة قبل اكثر من الفين سنة ام ان حقاً ذلك الطفل لم يكن الا صاحب هذا العالم ؟   

المسيحيون، لابد لهم من الأقرار بأن هذا الحدث التاريخي هو أعظم ما حصل في التاريخ لأنه بدء مشوار الخلاص الذي هو جوهر ايمانهم . يبقى السؤال، وبعيداً عن مسألة الخلاص، التي للاسف، غير المسيحيين لا  يدركون معناها  الحقيقي لكن  ماذا يمكن ان يعني لهم مجيء المسيح ؟ بلا شك  ان حكاية مجيء المسيح ليست من نسج الخيال فقد كتب وحكى قصته حواريون عاصروه كتبوا بأساليب ولغات وفترات مختلفة . ومثلما هي الشمس في فلسطين هي كذلك في الصين وفي الأمريكتين وفي كل مكان، هكذا أيضاً كانت كتابات الأنجيليين متطابقة عن هذا الذي أخبرنا بفمه الأنساني والألهي ان ابيه السماوي هو خالق هذا الكون العجيب بما فيه من نظام دقيق وهو رب  الأرض والسموات . قبل مجيء المسيح كان الرب القدوس قد اختار بني اسرائيل ليبشروا بأسمه لكن بنو اسرائيل كانوا ولا زالوا يريدون ان يحتكروا الخالق القدوس لبني جنسهم ولنا في ذلك برهان من قصة يونان النبي الذي تهرب من أمر الله للذهاب الى نينوى لأنه كان في يفضل هلاكهم بدلاً من خلاصهم، فقد كانوا أعداء قومه.

ويبقى السؤال الأفتراضي ماذا لو لم يولد المسيح قبل مايزيد من الألفين عام ومرة أخرى لندع جانباً مسألة الخلاص. فهل كان يهود اليوم الذين عرفوا الخالق من زمن سحيق سوف يُعرِفوننا به؟ وحتى ان عَرَّفوننا به فهل كنا نصدقهم؟ كل الأدلة تشير الى غير ذلك ف يونان النبي لم تأتي محاولته "الشبه الجبرية" ثمارها لأن اهل نينوى ما لبثوا وان عادوا الى عبادة أوثانهم بعد فترة قليلة من توبتهم. ولكن المسيح، الذي ولد في مثل هذه الأيام، كانت وصيته لتلاميذه اذهبوا وبشروا الأمم  بأسم الآب ولأبن والروح  القدس معطياً اياهم سلاح المحبة كي يكون الخلاص للجميع، وان كانوا أعداءاً. المسيح قال عن نفسه انه أعظم من  يونان بكثير وبذلك وبّخ اليهود لعدم ايمانهم به رغم انهم عاينوه لكن الأمم كانت أكثر تقبلاً لتعاليمه من غيرمعاينته.

المسيح كسب الى جانبه تلاميذ وحواريون بشروا به وأستشهدوا لأجله . كسبهم ليس لأنه أظهر لهم انه ذا شخصية كاريزيمية او صاحب تجارة اوكان قائداً عسكرياً ، انما  كسبهم في التواضع  والأعاجيب الخارقة التي عملها امامهم .. حالياً ان لم نصدق الأنجيل الذي يتناول كلام المسيح عن الآب والخليقة، كما كتبه الأنجيليون والرسل وكما  ينص الأيمان المسيحي المدون في مجمع نيقية عام 325 بعد الميلاد حيث ورد: " نؤمن باله واحد، الآب ضابط الكل وخالق السماء والأرض وكل ما يرى وما لا يرى"، ان لم نصدق هذا الذي أخبرنا  به بنفسه فالعلة هذه المرة هي فينا ايها الأحباء.

 ليكن يوم ميلاد المسيح الذي هو واو الوصل بين السماء والأرض جواباً شافياً  لسؤالنا: من هو خالق هذا الكون؟

                                                                                              حنا شمعون / شيكاغو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المزيد من كتابات الكاتب حنا شمعون

 

 

HOME